شكري شعشاعة (1890-1963)

ولد شكري رشيد أحمد شعشاعة في غزّة هاشم عام 1890، لأب ينتسب للأشراف، فجدّه شعشاعة العلمي الحسيني كان نقيباً للسادة الأشراف في غزّة. حصل شكري على الشهادة الابتدائية في مسقط رأسه، ثم واصل تعليمه الثانوي في نابلس، أتقن في صغره اللغتين الإنجليزية والفرنسية. نزح إلى شرق الأردن منذ عام 1919.

 

تولّى مناصب عدّة في العهد الفيصلي، ثم في عهد الإمارة، كان آخرها وزيراً للمالية، فوزيراً للداخلية والدفاع.

نشر مقالات في صحف ومجلات عديدة منها: مجلّة الأردن الجديد، وجريدة الوفاء، وجريدة النهضة،ومجلّة اليقظة، وصحيفة الجزيرة، وجريدة النسر، وصحيفة الحوادث، وجريدة النضال. توفي في الحادي عشر من حزيران سنة 1963.

 

 

مؤلفاته

الشعر:

النفثات.

الرواية:

في طريق الزمان دار النشر والتوزيع والتعهّدات، عمّان، 1957.

في الحكومة والحياة، ترجمة عن الإنجليزية.

الترجمة:

كيف تنمّي دخلك، ترجمة عن الإنجليزية·

السيرة:

ذكريات لبنان، مكتبة الطاهر، يافا، د.ت.

ذكريات، مطبعة الاستقلال ، عمّان، 1945، طبعة ثانية عام 1963. وأعيدت طباعته في سلسلة إحياء التراث الأردني، وزارة الثقافة، عمان، 1991.

كتب أخرى:

همس الصور (مقالات وقصص وقصائد) قدّم لها روكس العزيزي، دار الفرقان للنشر، عمّان، 1990.

من مراجع ترجمته:

أبو صوفه (محمد): أعلام الفكر والأدب في الأردن، جمعية عمال المطابع التعاونية، عمان، 1983.

العودات (يعقوب) : أعلام الفكر والأدب في فلسطين، عمان، 1976.

العودات (يعقوب): شكري شعشاعة الإنسان الأديب، عمان، 1966.

قطامي (سمير): الحركة الأدبية في شرق الأردن، وزارة الثقافة والشباب، عمان، 1982·

قطامي (سمير): الحركة الأدبية في الأردن 8491-7691، وزارة الثقافة، عمّان، 1987·

هاشم (كايد) :قاموس المؤلفين في شرق الأردن من 1899-1948، مطابع القوّات المسلّحة الأردنية، عمان، 1995.

 

 

لقاء

وانتهت من قراءة جوابه وليس عندها في الدنيا من فتاة هي أدنى منها إلى السعادة، إنّها الآن لتتذوّق من حبّه طعماً لا تذكر له مثيلاً، وتجد عنده أشياء مجنّحة غير ما يعرف الناس فيما يتحابّون، وتراه يزيدها معرفة ليس به وبالدنيا بل وبنفسها هي كذلك، ولكن ماذا على شوقها أن يفعل حين تنفرد به وهي ظامئة؟

وتوزّعتها المشاعر فطفقت تعيش على جنون العاطفة وحيرة الرأي، فما تأنس حتّى تستوحش، أو تأمن حتى تخاف، أو تقبل حتى تدبر، أليست تعرف من كبرياء أبيها ومن لسان زوجه، ثم من فضول الناس ما يئد العزيمة ويوصد الباب؟ ولكنّها لا تريد أن تتخلّف عن هذا اللقاء، بل ليست لها القدرة على أن تتخلّف عنه·

وتشتّد عليها الهواجس فتهرب إلى الطبيعة، شأنها عندما تحار فيما ينبغي لها أن تفعل،وكما يشرف قصر أبيها على البحر تشرف عليه، وتمدّ بصرها على مداه، وتصغي إلى هديره، ولكن ماذا عساها قد استخلصت منه لنفسها أو وسّعت من أسراره؟ ليس أكثر من معنى واحد- معنى هذه الحركة الدائبة أو هذا الاختلاج المستمر عند كل كائن وهو يمضي على سننه إلى أن يبلغ به الأجل، فما يقف دونه شيء إلا وحاول أن يتحرّر ويتفلّت منه، ولعلّها رجعت إلى نفسها عند هذا المعنى من معاني الطبيعة، فانفرج همّها واتّسع أفقها وصارت إلى رأي مريح·

وذات مساء خلا لها الجوّ، فلا أبوها كان في البلد ولا زوجه كانت في الدار، ولم َيك من عادة هذه السيدة، حين تخرج للسمر أن تعود قبل طائفة كبيرة من الليل· فهل يقعد العصفور- وهو إنما يترقّب مثل هذه الفرصة – فلا يبرح قفصه، على ما به من الحنين المجنون؟

كان الليل ساجياً والدرب خلاء إلاّ من عابرٍ تراه هنا وآخر يلوح هناك، فعجلت تيمم شطر صاحبها، وإذ قد وصلت إلى بيته وانتهى إلى سمعه قرع خفيف، بادر هو يستقبل أعزّ الناس عليه... ثم مرّت لحظات كانت النجوى فيها للشعور النشوان... للروح ترفّ لأختها... ثم جاء دور التعبير يقول:

- أنتِ شيء هبط عليّ من السماء!

- لم أهبط وإنّما علوت إذ رأيتني عندك أقف وإيّاك على صعيد واحد. قل لي أكانت الحياة يوماً في منازلها أو فيما يرى الناس من ألوانها سوى شعور ورأي؟ لقد أصدقتك شعوري وأصدقتك رأيي.

- ولكن منزلي حيث ترين عند ذيل الجبل، وأنا أريد لك أن تفقدي من دنياك ما يطلب الناس لدنياهم، وأخشى أن تبخسك الحياة من حظّك وأنت عندي، بل أراني الساعة أوجس فزعاً من أن يسيل بنا الوادي.

- إنّك لتظلم نفسك... ليس الفلك يدور بما يأخذ الناس بغشية لا يستفيقون منها إلاّ على نسيان ما كان من أرحامهم! فيختارون يومئذ من يشاؤون للقربى الجديدة.

- ليت ما تقولين يكون! فما أتخيّل شيئاً فوق هذه السعادة. ولكن الواقع يمرّ بالأماني ساخراً، ألا ترين ما بيني وبينك؟ إنها بيدٌ دونها بيد.

- ألم تصفه من قبل بأنّه مثل الانسجام الذي بين العينين؟

- ذلك مذهب الحبّ وما زلت عليه.

- ألا تراه أقدس من منطق العرف؟

-بلى ولكن الكلمة ما زالت للثاني.

- ليته ما كان!

- ....!

- ألست ترى فيه معنى الطهارة للثياب ومعها الفواحش للضمير؟

- بلى.

- دعني أثُرْ عليه.

- يظلّ الياسمين أبيض ناصعاً، ولكنّ هذه الألسنة طويلة، واسمك أعزّ من الحياة.

- لعلّك تحسب الياسمين يحتمل العطش!

- نذرت له عصارة قلبي، ورضيت بالشذا دون أن تمتّد إليه يدي.

- أعيش ولا غيث؟

وزحفت تدنو منه، فصار يحسّ حرارة أنفاسها، ويشمّ نفح عطرها، فاختلج لذلك كيانه، واختلج كيانها ولم تملك إلاّ أن تقول وهي تحتضن كفّه جميعاً:

- أمن الأعماق؟

- لعلّك تعبثين!

- ذلك لأنفخ فيك من روحي فتذهب إلى أبي.

- وهو في عليائه تلك؟

- ما أعجب ما اتّخذ الناس من الطول والعرض مقياساً لتقدير ما بينهم! فما الإنسان إلا برفيف أخلاقه.

- أتحسبين أباك على مثل هذا الرأي؟

- ذاك ما يوقفني منه حيرى.

- إنّه لينظر من نافذة طائرة محلّقة.

- بالَغَ من أنبأك بهذا.

- لشدّ ما أرجو أن يكون الأمر على ما تقولين.

- لست أزعم أنه كثير التواضع.

- لو تواضع لحلا اسمه، وطاب ذكره، ولكنّه استعلى فرأى الناس أصغر من أحجامهم.

- برأيك لا تقس عليه.

- إني لأنشد له الخير.

- تودّد لعلّك تجد ما أريد لك عنده.

- لست متفائلاً·

- ولكن ألا تحاول مرة!

- لعلّي أفعل!

وساد الصمت فهاجته الحرارة مع يديها، والعطر مع أنفاسها، فراح يغالب الخافق الثائر، ويتلهّى بالحديث في مساق جديد:

- كيف اهتديت إلى منزلي؟

- مثلما اهتدى عمر بن أبي ربيعة إلى منزل صاحبته.

- ماذا كان من أمر هذا المفتون؟

- أقبلت عليه يوماً عجوز تقول: أأنت عمر بن أبي ربيعة؟ قال: نعم، فما حاجتك؟ قالت: حيّاك الله، إني أدعوك إلى محادثة وجه صبوح وعقل وحسَب. قال: ما أحب إليّ من هذا. فعادت تقول: ولكن على شرط أن تمكنّني من عينيك أشدهما وأقودك حتى تلج المكان الذي أريد، ثم أفعل مثل هذا عند خروجك حتى أنتهي بك إلى مضربك هذا. فاتفقا ومضى معها حتى كشفت عن وجهه، فإذا هو في حضرة امرأة لم ير مثلها قَطّ وسامةً ولا أدباً، فسلّم وجلس، فدار بينهما الحديث على أبيات من الشعر قالها عمر وكان فيها فضّاحاً للحرائر، فقرّعته وأخرجته كما جاء وهو لا يعلم من أمرها شيئاً، ولكنه حينما أمر بالخروج نظر فإذا آنية فيها طيب فأدخل يده فيها، وإذ صار إلى باب المضرب ضرب بها عليه، وفي منزله دعا غلمانه ووعدهم أيّهم يدلّ على باب مضرب عليه طيب كأنّه الكفّ فهو حرّ، وله خمسمائة درهم، وما لبث أن جاء أحدهم فقال: قم! فنهض معه فإذا المضرب مضرب فاطمة بنت عبد الملك بن مروان.

- عرفت الآن أستاذك.

- وإنمّا في الذي يهدي إليك.

ومشى الطرب يستخفّها، فعادت إليه وعاد معها ما كان به آنفاً، فلم يطق صبراً، ورفع رأسه إلى السماء في ضراعة لعلّها كانت حيلته الأخيرة لما أراد أن يمسك من نفسه، فإذا القمر يطلّ على الكون، وإذا هو يهتف لسحره الخالد، وإذا هي تستجيب بيديها إلى خديه، وبشفتيها إلى شفتيه، واستسلم يلّفها أو ما كاد حتى ارتدّ إلى قرع عنيف وصوت ينادي: سلمى! وكانت النافذة دانية فوثبت منها إلى زقاق كان فيه منزل لصديقة فغشيته توّاً.

وبادر يفتح الباب، ويعجب من السؤال فكان من مظهره الهادئ حينذاك ما صرف الطارق فيما يشبه الخجل أو يشبه تصديق ما سمع. ولكن كيف كان هذا؟ وماذا عساه حدث أو يحدث لها؟ ذلك ما نفى الكرى عن مقلتيه.

أما سلمى فجعلت تسمر عند صديقتها على ما بها من البال الشتيت، ثم لم تلبث أن نهضت إلى جهاز الهاتف تقول:

- أنا سلمى. هل عادت السيدة؟

- نعم وهي ثائرة.