محمد أديب العامري

ولد محمد أديب العامري في يافا عام 1907، التحق بمدرسة من مدارس الكتّاب. ثم بالمدرسة الابتدائية الأميرية، فمدرسة يافا الثانوية. أنهى دراسته في الجامعة الأمريكية في بيروت بحصوله على شهادة البكالوريوس في علم الحياة (البيولوجية) والكيمياء، والطبيعة (الفيزياء) عام 1930. أسّس العامري مع مجموعة من مواطنيه في يافا نادي الطلبة الذي كان فرعاً لمؤتمر الطلبة العربي العام المنعقد في بيروت سنة 1952. في عام 1929 وفي خلال (ثورة البراق) صدر أمر باعتقاله، فلجأ إلى الأردن، وعمل مدرساً للعلوم الطبيعية في ثانوية السلط، ولم يلبث أن تولى إدارة هذه المدرسة، ثم نقل مفتّشاً للعلوم في وزارة المعارف.

 

عاد العامري إلى فلسطين، وعمل مساعداً لمدير الإذاعة في القدس، وحصل في ذلك الحين على دبلوم \"معهد الحقوق\" الفلسطيني. بعد وقوع النكبة عام 1948 عاد إلى الأردن، وأصبح مديراً للإذاعة الأردنية، وممثلاً للأردن في \"لجنة الهدنة الدولية\".تنقّل خلال عقدي الخمسينيات والستينيات بين عدد من المناصب الحكومية الرفيعة في وزارة الخارجية، ووزارة المعارف، ودائرة الاستيراد والتصدير، ووزارة الإنشاء والتعمير، وديوان الموظفين، وديوان المحاسبة.

 

نشر عدداً من مقالته في الصحف والمجلات منها: السياسة الأسبوعية، والرسالة، والثقافة، والمقتطف، ومجلة الأديب اللبنانية.

بعد سنة 1967عيّن وزيراً للخارجية، ثم سفيراً للأردن لدى مصر، فوزيراً للتربية والتعليم، ووزيراً للثقافة والإعلام، إلى أن استقال من العمل الحكومي. في أواخر عام 1969 انتخب رئيساً لرابطة الكتّاب الأردنيين، وتوفي في براغ سنة 1978، وهو على رأس هذه الرابطة.

 

مؤلفاته:

الدراسات:

عائلات النبات الشهيرة، دار الطباعة والنشر، عمّان، 1967.

الترجمة:

الحياة والشباب: تأليف: أريك تريمر، منشورات عويدات، بيروت، 1967.

التاريخ:

القدس العربية، دار الطباعة والنشر، عمّان، 1971.

عروبة فلسطين في التاريخ، المكتبة العصرية، بيروت، 1974.

القصص:

شعاع النور وقصص أخرى، دار المعارف، اقلاهرة، 1953.

من مراجع ترجمته:

العودات (يعقوب): من أعلام الفكر والأدب في فلسطين، جمعيّة عمّال المطابع التعاونية، عمّان، 1976.

مشايخ (محمّد): الأدب والأدباء والكتّاب المعاصرون في الأردن، مطابع الدستور التجارية، عمّان، 1989.

هاشم (كايد): قاموس المؤلّفين في شرقي الأردن 1899-1984، مطابع القوات المسلحة الأردنية، عمّان، 1995.

ياغي (هاشم): محمد أديب العامري، رابطة الكتّاب الأردنيين، عمّان، 1979.

 

 

 

 

 

صوم دائم

كان عطا الله يمشي الهوينى على رصيف الشارع، وقد رمى ببصره إلى الأرض ومال برأسه إلى الأمام في انكسار ظاهر وحزن عظيم. وكان الوقت قريباً من مغيب الشمس، وفد خلت شوارع المدينة من أكثر الناس. كان الوقت رمضان، وكان الناس كلّهم قد انقطعوا للصوم على أثر مجيء شيخ تقيّ إلى البلدة يعظ الناس، ويخوفهم من النار في اليوم الآخر.

ومع أنّ عطا الله لم يُلْقِ بالاً إلى الشارع ولا إلى الناس، فإنَّ أقلّ ما كان يجب أن يقع له هو أن يرى أحداً في الطريق. وتعمّد على عادته أن يقطع مسيره إلى البيت بحيث لا يراه أحد. لم يكن هذا دأبه في رمضان فقط، ولكنّه كان دائماً هكذا -يختار الطريق الذي لا يلقاه فيه أحد ولا ينازعه تفكيره فيه أحد. وكان سهلاً عليه في رمضان أن يجتاز الطريق دون أن يعثر بإنسان أو يعثر به إنسان، إذ ما عليه إلاّ أن يتأخّر في المسجد بعد صلاة العصر يرى المؤذّن وقد أخذ بالاستعداد للصعود إلى المئذنة فينصرف هو من أقرب طريق.

وكان أيسر على عطا الله في رمضان أن يتجنب كلام الناس. فإنّ كثيرين من الصائمين يعرفون أنّ الصمت هو إحدى القُرُبات إلى الله. وكانت هذه القربى محبّبة إلى نفسه فإنّها كانت توفّر عليه مؤونة الكلام مع كثيرين من الفضوليين.

وكان الوقت قبيل أذان المغرب حين كان عطا الله يمشي الهوينى على رصيف الشارع. وكانت الشمس قد آذنت بالمغيب، وكان الجوّ مكفهراً يتخطى أشهر الخريف، وكان الهواء ثقيلاً يشعر المرء منه بانقباض رازح. وكانت أشعّة الشمس تتوارى عن هضاب المدينة، وفي وسط هذه الكآبة كان عطا الله يمشي من المسجد إلى البيت، تنقل يداه من إبط إلى آخر صرّة فيها أرغفة خمسة اشتراها من آخر بائع للخبز أدركه عند باب المسجد حين ترك المسجد.

وكان يفكّر في ابنه المريض وزوجته وابنتيه، وشرد تفكيره إلى مستقبل هؤلاء جميعاً بعد موته. إن ابنه صغير وإنّه ليدلف إلى القبر وإنّ زوجته وابنتيه لا يقدرن على الكسب. وها إنّ الدنيا قد عبست -منذ سنوات- منذ هبطت قواه فعاد لا يقدر على العمل.

ٍفكّر في هذا كلّه وتداعت خواطره، فأخذ يحلّل المستقبل تحليلاً دقيقاً. ولكنّ يداً رفيقة ربّتت على كتفه الأيمن فقطعت عليه خواطره، وأحسّ التربيت لطفاً، ولكنّه أحسّ فيه استعلاء وعرامة كذلك. ونظر إلى يمينه فإذا هو الشيخ فضل الذي يؤمّه في الصلاة الجامعة بالمسجد. ومع أنّ ما في حركة يد الشيخ فضل من الاستعلاء آلم عطا الله وأزعجه، فإنّه ارتاح إلى أن يكون ذلك من الشيخ فضل نفسه لا من غيره، فقد كان يجد في سريرته إكباراً لهذا الشيخ وإعظاماً له. كان يؤمّ في الصلاة بتؤدة، وكان إذا أمَّ في صلاة التراويح أدّاها على خير ما تؤدّى صلاة، فإنّ غيره من أئمّة المسجد كان يؤدّيها في سرعة آليّة، كأنّه يتخلّص من واجب ثقيل. ورأى أنّ الديانة السمحة تقربّه إلى هذا الشيخ وإلى غيره من المسلمين الذين علت منزلتهم.

وسأله الشيخ فضل فقال: لا بدّ وأنّك ذاهب إلى بيتك.

قال عطا الله: نعم.

-قال الشيخ: هل لك إلى الإفطار معي اليوم؟

فاختلج عطا الله اختلاجة سريعة خفيّة. كان يتوقّع كل شيء في دنياه إلا أن يفطر في بيت كبيت الشيخ فضل، ولكنّه مع ذلك ازداد ارتياحاً وهزّ رأسه في غير وعي أمارة القبول، وبدت عليه علائم الغبطة والافتخار. وكان عطا الله يحبّ أن لو يرفض دعوة الشيخ ليعود إلى منزله، ولكنّه لا يدري كيف تغلّبت عليه هذه الدعوة.

إنّ ابنه في البيت مريض جداً وفي حاجة إلى عناية تنقذه. لكنّه الآن لا يستطيع الرفض. وامتدّ خياله فتصوّر البيت الذي سيدخله عمّا قريب. لا بدّ وأن يكون مليئاً بالكتب الضخمة التي يحضر الشيخ بعضها إلى حلقات الدرس، كما لا بد وأن يكون مفروشاً بالحصير النظيف والفُرش البيض النقية. تصور هذا وتصوّر معه مالا بد وأن يكون الله قد منَّ به على الشيخ من ورع وتقوى.

وأحسّ الشيخ فضل سهوم صاحبه فتداركه وقال: ليس بيتي بعيداً من هنا، تفطر معي ثم تذهب إلى أهلك مصحوباً بالسلامة.

وسار عطا الله مع الشيخ إلى منزله، وبعد قليل دبّ إليه إحساس من المضض والألم. شعر أنّ مكانة الشيخ فضل أعلى من مكانته، وتذكر ابنه المريض، وعائلته التي تنتظر الخبز الذي يتأبّط، وأمعن في التفكير. هل بقى من خبز البارحة شيء يتبلّغون به، وهل الخبز وحده يكفي؟ وأدرك وهو ماضٍ في سيره تلبيته لدعوة الشيخ، كأنه قد اقترف إثماً.

وعاد الشيخ فضل فقال: أراك كثيراً في المسجد فبماذا تشتغل؟

فأجاب عطا الله: لا شغل لي اليوم، فقد ذهبت قدرتي على الشغل كما ترى.

قال الشيخ: لك عيال، أليس كذلك؟

- نعم، زوجة وابنتان، وابن مريض.

وتلعثم ثم اندفع فقال:

- بعد فطوري معك أرجو أن أنصرف إليهم مسرعاً.

قال عطا الله ذلك وصوته متهدّج يكاد ينفجر، فأدار الشيخ عنان الحديث وهو يقول متصنّعاً الابتسام:

- لك مورد على كلّ حال تعيش منه، إنّ الله لا يقطع أحداً من رزقه.

فقال عطا الله:

- ... لي الله. أنا لست في ضيق، الحمد لله.

وأحسّ الشيخ فضل على الرغم من ذلك فقر عطا الله وعسر حاله. وكان قد اقترب من منزله فخطا مسرعاً يُمهّد الطريق لصاحبه. وألحّت على عطا الله الأفكار آنئذ: ترى كيف يكون بيت الشيخ، كيف تكون مائدة الإفطار التي سيدعوه إليها عمّا قريب؟ وتذكّر زوجته وابنتيه فخفض بصره، وانقطع حبل تفكيره. وأدركه الشيخ فضل ففتح الباب فدخل ومضى الشيخ أمامه حتى أجلسه في غرفة الضيوف وخلاّه هناك. وأضحى عطا الله وحده مرّة ثانية فنظر بسرعة إلى ما في الغرفة، ثم أخذ يتفرّس بدقّة، فشعر بنفسه تتراخى وبهمته تهبط، وأحسّ كأنّ الدنيا تطبق عليه، ورغب في أن يموت. أحسّ بالفارق العظيم الذي يفصله عن الشيخ فضل، على الرغم ممّا اطمأنّت إليه نفسه قبل قليل من قرب الشقّة بينهما.

ورأى الأثاث يختلف كلّ الاختلاف عمّا تخيّل، فجدران الغرفة تكاد كلّها لا تبين ممّا غطّيت به من ستائر وزخارف. نظر إلى الأرض فرآها مفروشة بالسّجاد السميك الفاخر. وأشد ما لفت نظره صورة كبيرة للشيخ. كانت صورة نصفية، فلو وهبت الروح ما استطاعت أن تعيش، ولذلك ارتفع الإثم منها. فأحسّ لذلك براحة، ثم عاود النظر إلى الغرفة وتفحّص أرائكها الضخمة ومتكآتها الحريريّة، فتحيّر في مجلسه ثم اطمأن، فجعل خدّه على يده وأطرق. وحاول أن يبدّد كلّ انتقاد ثار في نفسه لكنّ شيئاً واحداً ظلّ يعاوده: أليس هذا كثيراً؟ ومرّ بخاطره شبح ابنه يتلوّى مريضاً في فراش رقيق على أرض جرداء فهبطت همته مرّة أخرى.

وفي هذه اللحظة دخل الشيخ فضل فدعاه إلى المائدة. فجلس على كرسيّ إلى طاولة ونظر فأظلمت الدنيا في وجهه ودارت برأسه برهة. ورأى الشيخ ذلك فعزاه إلى تأثير الصوم. ولمّا هدأ روعه فكّر فودّ في نفسه لو قدّم له الشيخ مائدة أبسط، إذن لكانت أقرب إلى طعامه المحبوب الذي يتناوله عادة في بيته، وإذن لكان أقرب إلى الشيخ وأدنى. وأخذ دبيب من الكراهية لم يحسّه قط في حياته يتسلّل إلى نفسه.

وأذن الوقت فأفطر الشيخ فضل مبتدئاً بكوب من الماء. فمدّ عطا الله يده إلى كوب مماثل بجواره فسمّى بالله وجرعه. ثمّ رأى الشيخ يتناول من صحفة صغيرة تمراً حجازياً أشقر، ففعل كما فعل الشيخ. وعندئذ تذكّر السنّة النبوية فهدأت نفسه على أن أتاح الله له أن يفطر كما تتطلّب السنّة الشريفة. وبدا له آنئذ كأنّ الفقر يحول أحياناً دون أداء الواجبات الدينية. وساد صمت طويل لم يسمع خلاله إلاّ أصوات الملاعق وحركات الأيدي تدير الصحون. وأخذ عطا الله يتناول الطعام من كلّ ناحية على المائدة في غير نظام، واكفهرّ وجهه ثانية في وضوح يكاد ينطق بالبؤس والكآبة. وأخذ وجهه يتصبّب عرقاً واغرورقت عيناه ثم انفجر في إجهاش خافت متردّد كان يخنقه لئلا يسمعه الشيخ أو يفهم معناه. ثم أخذ يكفكف شجونه والشيخ يلحظ هذا كله. وأخذ الشيخ العجبُ. لقد علم أن ابن صاحبه مريض، لكنّ ذلك في نظره لم يكن كافياً لتأويل ما يحدث أمامه، وكانت تلك مع ذلك أقلّ الليالي حفاوة فقد تعوّد أن يحضر معه أكثر من فقير واحد. لكنّه هذه المرّة رأى نوعاً جديداً من الفقر. ورأى أنّ أفضل ما يستطيع أن يفعل هو أنْ يغادر غرفة المائدة ليخلي السبيل لشجون صاحبه، ففعل دون استئذان ومكث زمناً عاد بعده وقد فرغ صاحبه من فطوره. ولم يستقرّ عطا الله بعد هذا شيئاً بل استأذن فودّع الشيخ وتناول الأرغفة الخمسة التي كان يتأبّط ثم خرج.

وفي الطريق أرخى العنان لشؤونه وشجونه معاً. فتذكّر ولده وابنتيه وزوجته فخفق قلبه حبّاً وحناناً وجفّف دمعه. وهرول حتّى وصل إلى بيته، فدخل فوجد كلّ شيء صامتاً كالموت. وأقبل توّاً على فراش ابنه الملقى على الأرض، فأحسّ جبينه، وتلفّت إلى زوجته العزيزة ثم أخذ يبكي. فأخذت زوجته تبكي معه في صوت خافت. كان ابنه في النزع الأخير. ومع ذلك استطاع أن ينعطف إلى زوجته فيسأل:

- أين هنية ومريم؟

فأجابت:

- إنّهما في المطبخ.

ولم يكن البيت أكثر من المطبخ وتلك الغرفة التي يضطجع فيها ابنهما سليم. وكان باب المطبخ مغلقاً حين دخل عطا الله فلم تره بنتاه، وإلاّ لرحّبتا به كالعادة وقبّلتا يديه. وفطن إلى الخبز فنهض وذهب فحيّا ابنتيه ثم قدّم الخبز إليهما. لم ينظر إلى ما كانتا تصنعان ثم عاد وجلس على الأرض إلى جوار ولده العزيز.

ورأته زوجته على هذه الحالة فقالت في لهجة عطف ومحبة:

-تأخّرت الليلة على غير عادتك.

فقال وهو يشرق بدمعه:

-لبّيت دعوة الشيخ فضل إلى الفطور، ليتني مت. لم أدْرِ لم فعلت ذلك!

فقالت الزوجة:

-لا بأس إنّ صحّة سليم تتحسّن.

فأشرقت أسارير وجهه فجأة.

لقد كن يثق باختبار زوجته، ثم قال:

-إذن حضر الطبيب؟

قالت الزوجة:

-لم يحضر. لقد ذهبت إليه ووصفت له خطورة الحال لكنّه أبى أنْ يحضر.

فاقترب من زوجته والتصق بها وضمّها ثم أخذ ينشج بالبكاء. وقال:

إنّ الفقير في هذه الدنيا وحيد. حتّى إذا مات مات وحده. فإذا غطاء ابنه يتحرّك، وإذا ابنه يشخص إليه ويتصبّب عرقاً، ويفوه بكلام خافت. إنه يطلب ماء. وانفرجت شفتاه عن ابتسامة أشرقت في عيني أبيه إشراقة الضوء في الظلام الدامس، فمال على ابنه يقبّله. واستأنفت نفس عطا الله الحياة. إنّه سيرى ابنه معافى بعد حين. وسيراه عاملاً يجدّ ليحصل قوت العائلة. وسيكون من النشاط والقوّة بحيث يوفّر لأمّه وأختيه أيّاماً بيضاً لم يستطع هو في الآونة الأخيرة أن يوفّرها لهنّ.

وانعكس ذهنه إلى ماضيه كلّه. لا يذكر أنّه استطاع يوماً في حياته أن يضمن قوتاً كافياً لنفسه ولعائلته. وتساءل عمّا إذا كان يصحّ أن تودي الحياة به وبأبنائه على هذا النحو دون ذنب ودون مغيث. وأحسّ أنّ هذه الفكرة ستبدّد فرحته بتماثل ابنه للشفاء فطردها ونهض ليأخذ مضجعه من الغرفة، ثمّ حمل نفسه على النوم فأغفى وهو يهذي:

-ليس هناك كثيرون مثل الشيخ فضل. إنّ أكثر الناس فقراء مثلي، والصوم يسوّي بيني وبين أكثر الناس. ليت الدهر كلّه رمضان. إنّه جوع، ولكنّ المرء يثاب عليه، فلأنوِ الصوم إذن يوم غد، ما أحسن أن يمتدّ هذا الشهر المبارك الدهر كلّه فأستوي مع الناس في صوم دائم.