Black & White
فايز محمود
-A +A

ولد (فايز محمود) عبد القادر الحصان في المنشية/ المفرق عام 1941، حصل على شهادة الثاني الثانوي العملي من مدرسة المفرق الثانوية عام 1985، عمل خلال السنوات 1962-1965 متعاوناً مع صحف المنار، وفلسطين، والحوادث، وفي العامين 1966-1967 عمل مندوباً لمجلة الأسرة الأردنية في الكويت ومتعاوناً مع مجلة البيان وعدد من الصحف الكويتية، وفي السنوات 1967-1970 عمل موظفاً في قسم الإعلام والعلاقات العامة بأمانة العاصمة، وفي العامين 1970-1971 عمل موظفاً في وزارة الثقافة والإعلام، وخلال السنوات 1971-1974 انتدب من وزراء الثقافة للعمل في إذاعة عمان، وعمل خلال العامين 1972-1973 مستشاراً ثقافياً في دار فيلادفيا للنشر، وخلال الأعوام 1974-1976 عمل معلقاً إذاعياً، وفي السنوات 1977-1979 تعاون مع صحيفة الأخبار الأردنية، وفي السنتين 1980-1981 عمل مستشاراً ثقافياً في جريدة الفجر في أبو ظبي، ومحرراً في مجلة الأزمنة العربية في الشارقة، ومندوباً لجريدة الرأي في الإمارات، كما عمل خلال السنوات 1982-1987 مندوباً صحفياً لجريدة الرأي وصوت الشعب في محافظة المفرق، ومحرراً في مجلة المواقف الأردنية، ومستشاراً ثقافياً لدار الغدين للنشر، وصحيفة المحرر، وعمل خلال السنوات 1988-1990 مديراً لتحرير مجلة أفكار، وخلال السنوات 1991-2001 عمل مستشاراً لوزير الثقافة، ورئيس تحرير لمجلة صوت الجيل وعضو هيئة تحرير لمجلة أفكار وعضو لجنة التخطيط والتنسيق في الوزارة، وهو عضو في رابطة الكتاب الأردنيين (أي شؤون خارجية سابقة في هيئتها الإدارية) وعضو اتحاد الكتاب العرب، وعضو مؤسس في منتدى المفرق الثقافي، وفي الجمعية الثقافية لتعميم اللغة الفصحى (عضو في هيئتها الإدارية سابقاً) وعضو مؤسس في جمعية أصدقاء الآثار بمحافظة المفرق.

حاز على جائزة غالب هلسا للإبداع الثقافي من رابطة الكتاب عام 1994 وعلى ميدالية الحسين للتفوق من الفئة الأولى في مجال الآداب للعام 2000.

مؤلفاته:

  1. الحقيقة (بحث في الوجود)، ط1، عمان: المطبعة الهاشمية، 1971. ط2، عمان: المطبعة النموذجية، 1989.
  2. العبور بدون جدوى (قصص) عمان: دار فيلادلفيا للنشر، 1973.
  3. الأبله (قصة) عمان: رابطة الكتاب، 1979.
  4. القبائل (قصص) عمان: اتحاد الكتاب الفلسطينيي،1981.
  5. مشكلة الحب (العناء الإنساني دون جدوى) عمان: دار الأفق الجديد، 1982.
  6. المفرق (تاريخ صحرواي) عمان: دار الأفق الجديد، 1983.
  7. تيسير سبول (العربي الغريب) عمان: دار الكرمل، 1984.
  8. الحرية والضرورة (في مجتمعات الإنسان والنمل) عمان: دائرة الثقافة والفنون، 1985.
  9. أوراق فلسفية، عمان: وزارة الثقافة، 1988.
  10. ثلاثة نقوش محجوبة (1) عمان: دار النسر، 1989.
  11. ثلاثة نقوش محجوبة (2) عمان: رابطة الكتاب، 1997.
  12. صدى المنى (نصوص المقال) اربد: دار قدسية، 1990.
  13. قابيل (قصص) عمان: وزارة الثقافة، 1990.
  14. آفاق (في الفكر والعلوم) عمان: مطابع الدستور بدعم من وزارة الثقافة، 1996.
  15. نزف مكابر (نصوص قصصية) عمان: دار النسر، 1996.ط2 2003.
  16. ثلاثة نقوش محجوبة (2) رابطة الكتاب ودار الكرمل، عمان، 1997.
  17. بلا قبيلة (مختارات قصصية) المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1997.
    ط2،وزارة الثقافة الاردنية، عمان، 2002.
  18. الأردن آفاق وطنية وقومية، عمان، دار الإيمان 1998.
  19. شروق -نصوص الخفاء- أمانة عمان الكبرى، 1998.

 

قصة:
صحراء دون شمس
فايز محمود
حينما دهمت قوّاتهم الصحراء، كانوا في خشية ممّا أقدموا عليه... والشمس تتبوأ سمت أفقها الفسيح الامتداد، مذ تنبثق مع مطلع الفجر ويهل الشفق من ثمّ للتوّ بشمس حارّة حارة، تغمر الآفاق المترامية بالوهج والضوء الساطع، فتلتحم السماء والأرض بوحدة مميّزة، ويثور دقيق من الغبار المضيء قد يتلوّن أحياناً كما قوس قزح، وتموج بحار من السراب تدع الغريب.. مجمل طبيعة الأرض، قلعة ذات خصيصة من الحرية للمرابطين بها، وذات مناعة يصعب على من يحاول عبورها أن ينجح في الاقتحام.
حينما دهت قواتهم الصحراء، كانوا في خشية مما أقدموا عليه.. فقد قيل لهم أيضاً – أنها تعجّ بالفرسان الصناديد، أولي البأس والنخوة، رجال لا يتطلّعون إلى شهوات الدنيا ومظاهرها الزائلة، وروحهم رخيصة في سبيل أن تظلّ رؤوسهم مرفوعة، محدقة بعين الشمس ما استطاعت بهجيرها الذي يتلظّى أن تسطع مثل أعينهم ذات النظرة المتألقة بالنور والاعتزاز وقيل لهم إن فرسانهم وافرة أيضاً تعدادهم يفوق الحصر.
من البحر أقبلت قواتهم، وكما كان الطوفان اكتسحوا الأراضي.. وكان أولئكم معهم.. وفدوا ليقيموا إثر زوال المدّ، بحيرة تشرف على الصحراء التي ستروّى بالطوفان، وتصلها أبداً بالبحر البعيد، وتظل ترفد مجموعة البحيرات والسدود والأنهار البحرية التي ستقيمها القوات المداهمة...
وكذلك كان...
بدت الأرض مائعة، موحلة بعد الطوفان ولأن الشمس الحارة لا تلبث كل يوم تسطع طيلة النهار معظم فصول السنة - فقد بدت الصحراء غائمة بحشد من الضباب المنعقد بين البسيطة حتى قمة السماء كما تتبدّى، وأخذت الشمس تلوح وكأنها غارقة بأمواج البحر الميت تعالت حتى بلغت هذه الذرى... وكان هذا يشبه، بشكل آخر، اندلاع حريق مستعر ما عاد يخمد أو يدلّ على وشك انطفائه.. والذي مدّ في استمرارية هذا الوضع، تدارك فصل الشتاء العام تلو العام بكل ما يزخر به من أمطار وقرّ صحراوي، له أثر النكسة الشخصية لمريض يكاد يشرف على أن يبل، فيحقيق به من وهن وإعياء بالغ التردّي.
أنشئت البحيرة بعد أن تداعى الفرسان من كل حدب وصوب من منافذ الصحراء المترامية – الأطراف، وكانت الأرض التي استحالت غاصّة بالوحل وبالمستنقعات قد أوردت بمعظمهم الفزعات، إذ تعثرت خيولهم أو سقطت فأودت بالفرسان إلى التهلكة ولما يبلغوا بعد ميدان المعركة.. ومن تبقّى وبلغ الميدان ردّ مدحوراً على عقبيه لائذاً بفرار أسيف.
وغصّت البحيرة بالأمواه، تتدفق من أمواج البحر الصاخب واستكانت الصحراء، كدمعة تطفح بالمآق.. لكن كان ما زال في نفوس فرسانها غضباً ساطعاً كالوهج الذي افتقدته الآن، وكانت في جموعهم همّة ما اعتراها تقاعس أو خذلان.
على أثر ذلك نصح أولئكم الذين استوطنوا البحيرة، من قبل القوات المداهمة التي مهّدت لهم القدوم، أن يتوسّلوا بكل السبل حتى يحتفظوا بمواقع أقدامهم التي وطئوها، وإلا يثيروا الفرسان الذين يفوقونهم عدداً أضعافاً مضاعفة والذين يتحلّون بصفات أصيلة لا تفرط بالكرامة وتقبل الضيم.
وردّ أولئكم: فقط أعطونا فئة بضعة أعوام قليلة، تخشى لفرط قلتها حصرها بين يديكم أيها السادة الكبار، لئلا تظنّوا بنا الظنون، أن اعتقدتم خرق تقديرنا.
والحق أن هذا ما كان موضع توجّس قوات البحر... لكن عبثاً كانوا يحاولون درء الصدام الذي يكّر به أولئكم بقواتهم البحرية على لجب الصحارى، لكن المرّة بعد المرّة على مدى ثلاثين عاماً، كانت البحيرة تتّسع وتعمق، والصحراء تتفتّت مسام ذراتها، وتنزّ وترشح بالماء الذي تسيله البحيرة من أسفلها.. والبحيرة في نبع متواصل من البحر.... والصحراء تغرق وتغرق... وفرسان الصحراء كما الصبّار انغرست أقدام خيولهم في عرض البيداء وطول القفار، وما عادت خيولهم تستطيع حراكاً بله صولاناً وجولاناً في حومة الوغى.
عندها أذّن بالسلام
هناك في طرف ناء من عمق البحر الهادر، التقى كبار القوم: قوم البحر، والصحراء والبحيرة.. وضعوا الخارطة بين أيديهم، اللون الأزرق يطغى واللون الأصفر منكمش... قال كبير البحر: الصحراء أكبر، أنظر انظر... وافق كبير الصحراء أن نعم... وضحك كبير البحيرة... قال كبير البحر: فرسانك مغاوير يا صاح، وبطولاتهم سيسجّلها التاريخ، وأنت رجل فذ.. فانتاب كبير الصحراء زهو وخيلاء... وشكر كبير البحر كثيراً... وضحك كبير البحيرة...
قال كبير البحر: العفو عند المقدرة من شيمكم، أوصيك بإخواننا أهل البحيرة، فهم قلة.. دبّت الحميّة بكبير الصحراء فقال: إخوتنا هم أيضاً... وضحك كثيراً كبير البحيرة.
نظر بعدها كبير البحر نحو كبير البحيرة وهمّ أن يقول شيئاً، فندّت عنه ضحكة لم يستطع كبتها، فأغرق صاحبه بالضحك... وما عتم كبير الصحراء أن فرط بدوره معهم بالضحك، حتى كاد يغشى عليه.
ووقّعوا بالنهاية على البيان التالي:
لأن الصحراء لم تعد تحوي خلاف الجرذان والجراد والضباع، وانقرضت منها الأسود والنمور وما إليها...
بينما البحر لا يزال يحوي الحوت والدلفين والتمساح وما لا يحصى من أنواع السمك الضخم...
فإن الواجب دعانا رغبة لتحقيق حياة رغدة للإنسانية كافة في البر والبحر دون تمييز، حياة ذات وفرة معيشية يتيحها الماء الذي هو أصل الحياة، أن يقبل قلباً وقالباً ما جرى على الخارطة من تغيير، ويرحم الله الشهداء، الذين ما ذهبت دماؤهم بدون طائل، فقد كانوا سماداً يخصب التربة التي ستروّى بأمواه البحيرة وتطلع زرعاً نضداً: أنتم تحرثون ونحن نسقي...
قال كبير الصحراء: ولدينا أيضاً بضعة خيول تبقّت، وإضافة للجرذان وما إليها...
ضحكاً له بحبور طاغ، وقال كبير البحر..
تعطينا إياها، فحديقة حيواناتنا تعوزها الخيل.. وسنهديك وأضاف خيولاً حديدية سبّاقة وطيّارة تتمتّعون بها، فالح لله ولّت الحروب دون رجعة...
- الحمد لله... الحمد لله كثيراً. قال ذلك كبير الصحراء وخيولنا التي تبّقت، تقدمةٌ إذن منّي عربون ولاء للعهد الجديد... وقاموا جميعاً، وتعانقوا.
على مد الصحراء كانت الشمس لا تزال ملفّعة بحجب الضباب المدلهم.

*من مجموعة \"بلا قبيلة\".