"أفكار" في يوبيلها الذهبي.. فضاء للثقافة وحاضنة للمثقفين

وجدان جمعي للثقافة والمثقفين في الأردن، وحاضنة للمبدعين من مختلف التخصصات الأدبية والبصرية، وشرفة تتيح إطلالة هامة على المشهد الثقافي المحلي من جانب وعلى المشهد الثقافي العربي من جانب آخر، تلك هي مجلة "أفكار"، التي تحتفل هذا العام بيوبيلها الذهبي.
خمسون عاما من العمل الموصول، والحضور البهي في فضاءات الثقافة، وثلاث مائة وستة وعشرون عددا، والكثير من الحكايات والذكريات والنجاحات مع المبدعين الذين كانت لهم المجلة منطلقا حقيقيا نحو عوالم الثقافة.
وقد أسهمت المجلة، ولم تزل تسهم، في تطوير الحركة الثقافية المحلية، إضافة إلى رفد الحركة العربية بمبدعين كانت المجلة مهادا طيبا لهم ولإبداعاتهم.
وقد اعتبر وزير الثقافة الدكتور عادل الطويسي مجلة "أفكار"، التي تصدرها الوزارة شهريا وتعنى بالثقافة والفكر والأدب والفنون عمودا من أعمدة الصناعة الثقافية في المملكة، وجزءًا أساسيا من صناعة الكتاب والنشر في المملكة. وأعرب عن تقديره وشكره لأسرة المجلة على جهودهم وعملهم كفريق على إصدار المجلة، كما هنأ الوطن والوسط الثقافي بمناسبة مرور 50 عام على صدور أول عدد من هذه المجلة، مبينا أن استمرارها عبر هذه العقود هو أكبر دلالة على نجاحها وتأثيرها في المتلقي.
وقال الدكتور الطويسي "إن المجلة تتميز بالتنوع الذي يجذب القارئ ومراعاتها لمختلف الاهتمامات إلى جانب وجود الفكر، وأن إضافة موضوعات تتعلق الفنون إلى المجلة شكل إضافة نوعية لها، فلها منا كل الدعم والاهتمام".
بمناسبة مرور خمسين عاما من إصدار العدد الأول من "أفكار"، "الدستور" تواصلت مع كوكبة من المبدعين عبر التقرير الآتي، فكانت هذه الرؤى:
 الروائي قاسم توفيق:
أتذكر أننا ومنذ أن بدأنا بالتعرف على هذه الحالة الثقافية الأردنية الخالصة "مجلة أفكار" بأنا كنا فرحين ومحتفلين بهذا الاسم وبما يحمله من دلالات كنّا ظمئين لها. لقد كانت مجلة أفكار من لحظة أن اختارت اسمها قد أعلنت عن مفهوم لم يكن من السهل إشهاره أو التداول فيه في تلك السنوات، وهو أنها ليست مقصورة على فكر أو موقف أو خط ثقافي مسيطر، بل أنها بوابة مشرعة لكل فكر وموقف وأمام كل مبدع.
ما أتذكره بأن كل من كانوا يكتبون بالأدب وبالفلسفة أو في أي مجال إبداعي آخر كان لهم فيها حيز وصفحات، ناهيك عن أنها لم تكن تستلب حق الكاتب مثلما كانت تفعل الصحف الأردنية آنذاك بل أنها كانت تقدم مكافأة لجميع كتابها، لا يمكن أن أصف كم كانت هذه المكافأة عظيمة ومُفرحة ومُجزية على الرُغم من كونها لا تتعدى الخمسة عشر ديناراً.
أفكار البدايات كانت تعيش منافسة حادة مع مجلات ثقافية عربية عظيمة كلها كانت تدخل السوق الأردنية مثل مجلة الآداب اللبنانية، والمعرفة السورية، والأقلام العراقية، وغيرها وقد صمدت وأثبتت حضورها أمام هذه المجلات.
بتصوري أن من أسباب صمود "أفكار" واستمرار وجودها إلى اليوم يكمن في نوعية المبدعين الذين كانوا يشرفون على إصدارها، والذين كانوا مخلصين ومتفانين في إنجاز مشروعها وإنجاز مشروع ثقافي أردني، فهم بما حققوه من إنجاز لبقاء واستمرار هذه المجلة لخمسين سنة فقد صنعوا في ذات الوقت نهجاً إبداعياً خالصاً ليس من السهل تغييره.
لا يمكن أن ننسى بأن الأبواب الجديدة التي اهتمت "أفكار" بإنجازها، من فتح الأبواب للفن التشكيلي وللمبدعين الشباب، وكذلك تغيير نوع الورق للأحسن، وتطوير إخراجها الفنيّ بصورة ملفتة بدءً من الغلاف الذي يكون في كل مرة لوحة يمكن تعليقها على جدار، وصولاً إلى الرسومات والاسكتشات واللوحات التي تواكب النصوص المنشورة، إضافة إلى احتفاظها بعاملين ومشرفين على إصدارها من المثقفين والمبدعين الأردنيين، وهذه حالة غرائبية في الثقافة عندنا، هو ما يجعلها واقفة بثبات على قدميها.
المقتل الذي لا يُعرف له سبباً ولا مبرراً هو أن انتشار وتوزيع المجلة محلياً وأعتقد عربياً أيضاً صادم. أستطيع أن أؤكد بأني أقوم بالبحث في كل مرة عن العدد الجديد الذي يصدر في أكثر من موقع ومكتبة ولا أظفر بالحصول على نسخة منه. أعتدت قبل أكثر من سنة أن أحصل على أعداد المجلة من مكتبة قريبة من بيتي إلى أن أبلغني صاحب المكتبة بأن الموزع لم يعد يوصل المجلة له.
أين تكمن المشكلة في مجلة تباع بأقل بكثير من سعر كلفتها، وتحتوي على تنوع فني وإبداعي أخاذ ولا تجد له مكاناً في السوق؟
أفهم بأنا نعاني من أزمة في القراءة في الأردن مثلما هو الحال في الوطن العربي لكن ما أفهمه أكثر بأنه يجب أن تصل مثل هذه المجلة إلى الناس.
إلى خمسين سنة جديدة أكثر إبداعاً وتألقاً..
 الشاعر سعدالدين شاهين:
إذا كان لكل شريحة من شرائح المجتمع منبر يعبر عن طموحاتهم وتطلعاتهم وآمالهم ويعرضون من خلاله بضاعتهم فلا أولى من المثقفين والكتاب أن تكون لهم نافذة واسعة ومنبر عال وعريض كمجلة أفكار التي تصدر عن وزارة التفافة مطلع كل شهر بانتظام يطلون منه على العالم ويتركون العالم يطل عليهم وعلى منتجهم الإبداعي والثقافي والفكري منه.
وحين يتعلق الأمر بالثقافة والمثقفين فإنني أرى أن صدور مجلة واحدة غير كاف لتشعب وتنوع الأجناس الثقافية بين الشعر والقصة والرواية والنقد والفكر والموسيقى والفن التشكيلي وفن التمثيل والأداء والسينما والفنون الشعبية وغيرها وبرغم كل هذا الزخم وأمام تقصير الهيئات والروابط الثقافية الرئيسية في المملكة في إصدار المجلات والدوريات المتخصصة نتيجة ضيق ذات اليد ماليا لهذه الهيئات مما تسبب في توقف العديد من المجلات كمجلة عمان التي كانت تصدر عن الدائرة الثقافية في أمانة عمان بانتظام وتعثر صدور بعضها كما هو الحال في مجلة أوراق التي تصدر عن رابطة الكتاب الأردنيين والتي تحول الإمكانات المادية عن انتظام صدورها لتؤدي رسالتها بإيصال صوت الكاتب والأديب والمفكر والمثقف إلى المجتمع وتأدية دوره كرائد لهذه الأمة يعبر عن آمالها وطموحاتها ويظهر جمالياتها وإبداعاتها وليحقق العنصر الجمالي والنوراني والإبداعي والفكري التوعوي الذي يحفظ التوازن بين الخراب الذي نراه يعم عالمنا هذه الأيام لذلك أهنئ مجلة أفكار بيوبيلها الذهبي ومرور خمسين عاما في عمرها المديد والتي استطاعت أن تصمد وتستمر بألقها وعراقتها بجهود القائمين والمشرفين عليها واستطاعت بحق أن تحوز إجماع الإعجاب على ما تحتويه من رزانة وتنوع لموضوعاتها شكلا ومضمونا وجدية طروحاتها واختياراتها سواء في الموضوعات التي تتناولها أم في الأسماء التي تشارك وتكتب فيها لتظل النافذة الواسعة والمضيئة في معمار ثقافتنا الأردنية والعربية والرئة التي تتنسم أوكسجين مبدعي الأمة ومثقفيها.
 الناقد محمد المشايخ:
امتازت أفكار بأنها كانت أسرع وسيلة للنشر وأكثرها انتشارا وأقلها سعرا عند الشراء، وكانت الساحة تخلو من المجلات الأدبية المتخصصة المنافسة، لا سيما بعد توقف مجلة الأفق الجديد عن الصدور عام 1965، وتتجه أنظار اساتذة الجامعات وغيرهم للنشر فيها، وقد عمّرت أفكار طويلا ولا زالت، وهي سجل التراث الأدبي المحلي الذي لم تـُتح له فرصة النشر في كتب، واتسعت لجميع الأنواع الأدبية والفكرية، التي ساهم في تحريرها الشباب والشيوخ، الذكور والإناث، وما أكثر الذين تتلمذوا في مدرسة أفكار وتخرجوا منها، وثـّقت للحياة الأدبية المحلية والعربية والعالمية، وأمضت خمسين عاما في المعرفة والنهضة والفكر والتنوير، تقلـّب على هيئات تحريرها عدد من أهم المبدعين والمفكرين المحليين، وكان لكل منهم بصماته التي دفعت بالمجلة نحو التغيير والتجديد.

نضال برقان، (الغد)

9/6/2016