حفلات التوقيع ... د. زياد أبولبن

 

هناك ظاهرة لافتة للنظر تسترعي الانتباه، بل الوقوف عليها طويلا، تلك الظاهرة المرتبطة بحفلات توقيع الكتب، فلست ضدّ من يرفع شأن كتابه باحتفال، وإنما أقصد المندسين على صنعة الكتابة، تحت مسميات: شاعر أو قاص أو روائي أو صاحب جنس كتابي أخر، متلفعا بعباءة الإبداع أو البحث والدراسة.
يحظى هؤلاء على أكبر جمهور يُشعل احتفالهم، فهو جمهور عائلي في أغلبه، يقترن بدفء العلاقات الاجتماعية، حيث تلقى في هذا أو ذاك الاحتفال كلمات التمجيد والتنصيب بأمير أو ملك أو سلطان أو..، فيكثر المطبلون والمصفقون في تلك الاحتفالات، وتنشغل وسائل الإعلام كل منها حسب علاقته بـ (العريس).
أتذكّر أحد الشعراء – كما يدعي هو أنه شاعر– قد وجه لي دعوة شخصية لحضور حفل توقيع ديوانه، في هيئة ثقافية تسكن جبل اللويبدة من سنوات قليلة، وفي نهاية الحفل تزاحمت المعجبات والمعجبون لرسم توقيع الشاعر على نسخ ديوانه، وبقيت انتظر حتى انتهت مراسم التوقيع، فتقدم مني معتذرا لانتظاري كل هذا الوقت لأحظى بتوقيعه! فشكرته، ولفتُ نظره إلى أن هناك قصيدة وردت في ديوانه تحمل عنوانا في صفحة بيضاء، فنظر إليّ وابتسم مستغربا، وقال: هذه هي القصيدة يا أستاذ! هذه قصيدة البياض!
يا إلهي، لِمَ لَمْ ألتفت إلى قصيدة البياض، وما فيها من رؤية للحياة، بل هي عابرة للأزمنة والأمكنة، وتستجلي الواقع في انفعالات لحظة الحلم؟!
يظهر أنني كنت سأتورط في كتابة نقدية بيضاء، تنازع هذا الواقع أو هذا الحلم!
أتحدث عن هذه الظاهرة مبتعداً عن عالم السياسة، فقد أضحى كئيبا ومعتما، كما عبر عنه (راسل جاكوبي) في كتابه: "نهاية اليوتوبيا" عام 1999، وهو في الوقت ذاته ليس سليم العاقبة. فالسياسات في أسوأ الأحوال أصبحت تتسم بالانهيار الاقتصادي، والحكم الاستبدادي، والعنف المتمثل في تقاتل الإخوة، وفي أفضلها تتسم بمقاومة النظم الليبرالية للتحديات المطروحة من قبل الحركات الدينية والقومية الرجعية. وبشكل متزايد يُطرح علينا الاختيار بين الحالة الراهنة للأمور، أو ما هو أسوأ، ولا تبدو بدائل أخرى. لقد دخلنا حقبة القبول والإذعان، وفيها نقيم حيواتنا وعائلاتنا وأعمالنا في ظل توقع ضئيل بأن يكون المستقبل أمرا مختلفا عن الحاضر.
أقول: هل هناك علاقة بما تحدث عنه (راسل جاكوبي) في الشأن السياسي، وما هو في الشأن الثقافي؟ أظن أن هناك علاقة وطيدة بينهما، فالثقافة ليس بأحسن حال من السياسة، فما يحدث ما هو إلا انعكاس لحالة الفوضى التي تعيشها المجتمعات العربية، وهذه الفوضى ينتج عنها ظواهر مختلفة، قد تترسخ ذات يوم، وتصبح واقعا نتعامل معه بمفاهيم جديدة.
سؤالي: على أيّ تقع المسؤولية؟ وهل هي مسؤولية المؤسسة الثقافية أم الفرد؟.

(الدستور)

27/6/2016