حكمت النوايسة: نحن بحاجة لتعزيز الهويّات الوطنية التي تقبل الشراكة والتنوع
28 / 02 / 2017

 

يشكل التراث الثقافي غير المادي، في تكامله، في الإطار الوطني، الخلفية الاجتماعية والثقافية لصياغة الهوية الوطنية والقومية لأي أمة من الأمم، فضلا عن كونه شاهدا حيّا على قدرة الإنسان على الإنتاج في الظروف المختلفة، ونقصد بالإنتاج هنا الإنتاج  الثقافي والمادي، وهذه الخلفية ذات البعد الجدلي، هي التي تصوغ وجدان الناس تجاه الحياة وتفصيلاتها»، ذلك ما قاله الدكتور حكمت النوايسة، مدير مديرية التراث في وزارة الثقافة، في حديثه لـ»لدستور»، مؤكدا «أنّ تفهّم التراث الثقافي غير المادي هو تفهّم لقدرة الإنسان على إنتاج أدواته، وإنتاج مفردات وأوابد البنية الفوقية لتعزيز استخدام هذه الأدوات التي هي نتاج القدرة على توظيف البيئة ومعطياتها في تيسير سبل العيش، والفنون المتنوعة لم تأت من عبث».

ويرى د. النوايسة أهمية الربط بين التنمية البشرية والتراث الثقافي غير المادي، إذ يمثّل ذلك الربط "بحثا عن مفردات الهويّة التي تساعدنا في إنتاج المفارق، وإنتاج الاختلاف".

وبحسب د. النوايسة فإننا «بأمس الحاجة إلى تعزيز الهويّات الوطنية والقومية غير القاتلة، أي الهويّات التي تقبل الشراكة في إطار من التنوع، وتنظر إلى التنوع بوصفه القانون الطبيعي الذي يعطي للحياة أفضلية، ويحيّد ثقافات اليأس واقتصادياته، في مواجهة ماكنة التشييء التي تقودها شركات المجمعات الصناعية القارية، وتعمل على صناعة ثقافة سطحية متبدلة مع كل تطوير للمنتج الصناعي، التقني، وما تمليه من تمييع للأبعاد الجغرافية في حلقة من الوهم، الذي يتبدّد لحظة انقطاع الكهرباء، أو أي خلل في النظام الطبيعي الذي تستغلّه القوى الصناعية/ العسكرية لتشويه الإحساس الطبيعي بالأفق الحيوي.

ويستعرض د. النوايسة تاليا أهم المشاريع التي تعمل المديرية عليها، وهي: المشروع الوطني لحصر التراث الثقافي غير المادي: ويشمل عملية حصر التراث الثقافي غير المادي وحسب تعريف اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي وهو: الممارسات والتصورات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات، وما يرتبط بها من آلات وقطع ومصنوعات وأماكن ثقافية، تعتبرها الجماعات والمجموعات، وأحيانا الأفراد، جزءا من تراثها الثقافي، وهذا التراث الثقافي غير المادي المتوارث جيلا عن جيل، تبدعه الجماعات والمجموعات من جديد بصورة مستمرة بما يتفق مع بيئتها وتفاعلاتها مع الطبيعة وتاريخها، وقد قامت المديرية بعمل حصر التراث الثقافي غير المادي في كل من محافظات جرش، الكرك، البلقاء، الزرقاء، ومادبا في الأعوام السابقة، ونتائجها موجودة في حوزة وزارة الثقافة/ مديرية التراث ورقيا وإلكترونيا.

وثمة مشروع المكنز الوطني للتراث الشعبي الأردني إذ بدأت الوزارة العمل بهذا المشروع، ابتداء من عام 2007، ثم توقف، ثم أعيد النظر بهذا المشروع في عام 2010. وما زال قائماً حتى هذه اللحظة، حيث تم جمع 70000 مفردة تراثية في مختلف المجالات التراثية ومن مختلف المحافظات، وهو مشروع ثقافي متصل بآفاق عربية وعالمية يقوم على جهود حثيثة لخبراء تراث أردنيين، ويهدف المشروع إلى إحياء التراث الأردني وحفظه من الضياع، من خلال تكوين قاعدة معلومات أردنية في مجال المأثورات الشعبية وذلك بعد جمع الألفاظ المتداولة وشرح معانيها وضبطها وتشكيلها، والأصل أن تعتمد قاعدة المعلومات هذه على النص المكتوب والصور الفوتوغرافية وأفلام الفيديو والنص الصوتي.

إضافة إلى مشروع إعادة تأهيل المادة الصوتية المسجّلة في السبعينيات من القرن الماضي. (الذاكرة المسجّلة في أشرطة الكاسيت التقليدية)، إذ يوجد لدى قسم البحث والتوثيق في وزارة الثقافة حوالي (950) شريط كاسيت مسجلة في معظم مناطق المملكة، سُجّلت من قبل باحثين في سبعينيات القرن المنصرم  لكبار  السن تجاوزت أعمارهم الـ 70 عاماً، والرواة المعروفين في ذلك الزمن، وتحوي تسجيلات صوتية لتراثيات متنوعة تشكل كنزاً في ذاكرتنا الوطنية كعادات الزواج والجاهات والعطوات والنخوة الأردنية الأصيلة ومواضيع القصص الشعبية والخرافات والألغاز والأحاجي القديمة، بالإضافة إلى الأغاني  والأهازيج التي كانت تغنى في الأفراح والمناسبات المختلفة، ومواضيع ألعاب الأطفال والطب الشعبي والقضاء العشائري.

وإلى جانب تلك المشاريع هناك مجلة الفنون الشعبية، ومشروع المكتبة التراثية، والموقع الإلكتروني لمديرية التراث، وإصدارات مديرية التراث، ومسابقة الفنون الشعبية لعام 2015 للجمعيات المتخصّصة في الفلكلور والفنون الشعبية، وموسوعة المعارف الأردنية/ محافظة مادبا، إذ تم إصدار الموسوعة وقد وشملت الموسوعة كافة أشكال النشاط البشري، وطبيعة السكان، والبنى السكانية، والتكوين الجغرافي والتاريخي والحضاري لمحافظة مادبا، وهدف هذا المشروع إلى توثيق النشاط الحيوي في محافظة مادبا، والوقوف على إنجازات الإنسان الأردني في العصر الحديث، والتأسيس لمعرفة موسوعية، وموسوعة تفيد الباحثين في شتى المجالات، وتحفظ ذاكرة الوطن، وتبرز إنجازاته على أكمل وجه.

ويؤكد د. النوايسة أن أهم المعضلات التي تواجه المديرية في تحقيق أهدافها هي "المعضلة المالية المتعلقة بالتمويل الكافي لنتمكن من إتمام مهمتنا إذ أن الموازنة المخصصة والبالغة 330 ألف دينار وهي ممولة بالأساس من خلال المنحة الخليجية الكويتية غير كافية، ولإتمام كامل المشاريع لابد من زيادة التمويل بما لا يقل عن 400 الف دينار إضافية هذا من جهة، ومن جانب آخر تواجهنا تيارات الشد العكسي للتقليل من أهمية هذا العمل فهناك جهات تحاول طمس الهوية الأردنية وتضييعها وواجهناها بشدة".

ياسر العبادي، (الدستور) 28/2/2017