مثقفون يستذكرون مدانات في "بيت تايكي"
06 / 04 / 2017

 

رأى المشاركون في حفل استذكار القاص والروائي والمحامي والمناضل عدي مدانات، أن الراحل يمثل جيلا كاملا من صناع هذا الوطن، جيل شكل جزءا كبيرا من ذاكرة الوطن الثقافية.
وبينوا، في الحفل الذي أقيم أول من أمس ضمن فعاليات ملتقى "أُمُّنا عمان" للعام 2017، الذي نظمه بيت تايكي في أمانة عمان الكبرى، أن عدي مدانات شكل مع مجموعة من الأصدقاء، في أواسط الستينيات من القرن الماضي حالة الإبداعي الثقافي والنضال الوطني.
وقال المتحدثون إن "عدي هو حلم أبيه"، وسيظل صوتا متميزا في الحياة الثقافية والنضالية، وقامة شامخة وقدوة تحتذى لأجيال من الكتاب الشباب المبدعين، وسيظل ملء السمع والبصر.
واستعرض المشاركون مشوار عدى النضالي والإبداعي، فهو أحد مؤسسي رابطة الكتاب الأردنيين التي انبثقت من منزله وصاغ نظامها الداخلي، وهو المحامي الذي كرس جل وقته للدفاع عن قضايا المفصولين لأسباب سياسية، يدافع عنهم بدون أتعاب، يرفض مجرد التعويض لهم، بل لا يكتفي إلا بإرجاعهم إلى العمل وتعويضهم عن مدة الفصل، فينتصر بنصرهم، ويلتصق بهموم وطنه وشعبه، ليلقب بـ"محامي الفقراء والمسحوقين".
وتحدث في الجلسة الأولى كل من ايفلين الأطرش، وابنة عدي همس مدانات التي  قرأت من قصص والدها. كما قدم كل من  د. فايز الصياغ، الناقد عدنان مدانات وهالة النوباني شهادات حول علاقتهم بالراحل، بينما أدار الجلسة د. زيد حمزة، الذي قال "قبل أشهر قليلة لم أتوقع أن أجلس هذه الجلسة واستذكر مدانات المبدع والمناضل. يذكرنا مدانات بجيل كامل من صناع هذا الوطن، هذا الجيل الذي شكل جزءا كبيرا من ذاكرة الوطن الثقافية والإبداعية والنضالية". واستعرضت ايفلين الأطرش سيرة ذاتية لمدانات. وقالت: "استذكر معك الكثير الكثير من تلك الطفولة التي عاش فقرها إذ يسكن أفقر أحياء عمان ويدرس في أغنى مدارسها، فيهرب من جحيم الإحساس وينغمس في دراسته ومطالعاته بين شؤالات المؤونة بفضل توفير والده له كتبا ومجلات ليناقشه فيما يقرأ. أم استذكر قضاءه أجمل واغني أسبوع وهو في العاشرة من العمر في ثكنة عسكرية على خطوط التماس مع الصهاينة في مدينة جنين؟ ام استذكر مشقة رحلة يومية في حافلة للجيش لنقل الطلاب من وإلى مدرسة المطران في عمان بعد انتقال عائلته إلى معسكر الجيش في الزرقاء...". وقالت الاطرش إن مدانات كان يعشق الحياة بكل ما فيها من مباهج ومآسي، يجدها قصيرة لكنها تستحق العيش، ينهل منها دون إبطاء، أو تقصير، يشارك في كل ما هو نضالي، ثقافي، فني بمزيد من تسليح فكر لإغناء اهتماماته".
وبينت "وهو محام مدافع عن قضايا المفصولين لأسباب سياسية، والطبقة والعاملة ومطالباتها المحقة، فينتصر بنصرهم، وملتصق بهموم وطنه وشعبه، مخلص لقضايا الإنسانية العادلة، فصار محامي الفقراء والمسحوقين كما لقبوه".
 وأضافت "وهو ذاك الكاتب التي تبقى الكتابة هاجسه الدائم، مبينة أنه في  الكتابة- هاجسة الدائم- يستقطع ساعات الفجر الأولى أيام الجمع والعطل للكتابة ويسرق وقت الإجازات لها أيضا، فقد كان يقول إنه لا يستطيع دراسة أو متابعة قضية أو دخول المحكمة وفي ذهنه قصة قد يكتبها".
من جانبه قال د. فايز الصياغ عن مدانات "كانت بيني وبين مدانات علاقة (معتقة)، كانت بمرور الزمن، تزداد عمقا ورسوخا وتغدو أطيب مذاقا يوما بعد يوم منذ أكثر من خمسين عاما"، مشيرا إلى أنه التقى في اواسط الستينيات من القرن الماضي، مع مدانات، وتيسير سبول، ورسمي ابو علي وصادق عبد الحق، وفي وقت لاحق جمال ابو حمدان، واخرين،  حديثي التخرج، وكان عدي اليساري الذي يعلن منذئذ رغبته في الدفاع عن حقوق المستضعفين.
وتحدث الصياغ عن ذلك اليوم الذي وصفه بـ"المشؤوم"، قائلا :"عندما توجهنا عدي وأنا مع تيسير في سيارته الفولكس فاكن إلى جسر الملك حسين المدمر، وفجعنا بمشهد ما يزال محفورا في الذاكرة كأنه حدث صباح اليوم: جثث لعدد من شهداء الجيش الأردني الذين قصفتهم الطائرات الإسرائيلية بعد انسحابهم إلى الضفة الشرقية من نهر الأردن"، مشيرا إلى أن العديد من النقاد والكتاب كتبوا الكثير عن تيسير، إلا أن عدي، الذي كان أقرب الناس، شخصيا وعائليا، لتيسير وزوجته مي اليتيم لم يكتب شيئا عن هذه الفاجعة.
بينما قدم الناقد السينمائي عدنان مدانات شقيق عدي سيرة مختصر عن علاقته مع شقيقه قائلا: "كان عدي (حلم ابيه)، كان عدي يجلس على عتبة البيت وأبي يقرأ له القصص، ويناقشه في القصة من اجل التفكير النقدي، فوالدي كان عسكريا، ولكن قارئا نهما، قرأ كل كتب الحقوق التي كان يدرسها عدي وكان يحلم بأن يكون كاتبا".
وقال مدانات "علاقتي بالسينما ترجع لعدي، فعندما كنا نعيش شاركته جلساته مع  أصدقائه، المثقفين السوريين مثل الكاتب الصحفي سعيد حمامي والشاعر فاروق مردم بيك والعازف الموسيقي محمد حنانا، والطلبة الجامعيين الأردنيين مثل تيسير السبول ورضوان مسنات... وغيرهم. في دمشق تمكنت من مشاهدة أهم الأفلام السينمائية التي كانت تعرض هناك، وكانت هذه المشاهدات مقترنة بنقاش سينمائي وهذا ما عكس علي، وكانت في البيت مجلات عالمية مهمة اعتاد عدي على  احضارها للبيت، وقراءتها والحدث عنها".
فيما تحدثت القاصة هالة النوباني عن تجربتها مع مدانات عندما أقام بيت تايكي ورشة عمل لتعلم فن القصة، قائلة "كان مدانات يحمل فنجان قهوته ويدخن. اقتربت منه أخبرته عن رغبتي في حضور الورشة، قال: طبعا طبعا. أهلا بك. وثمن مبادرتي، واخبرني باقتضاب انه يقدر من يبادر أولا"، مبينة أن مدانات "علمنا كيف نخلص للفكرة ولفن القصة"،. وأضاف "كان بطبعه متفائلا، فقد تفاءل بنا رغم تواضع إنتاجنا الأدبي. ونقل هذا التفاؤل لنا وزرع الحماسة فينا دون خطب وعبارات رنانة، بل بهدوء تام".
وعدي مدانات (1938 - 10 تشرين الثاني (نوفمبر) 2016) الروائي والقاص، هو أحد رواد كُتّاب القصة القصيرة في الأردن، درس الحقوق في جامعة دمشق، وهو مؤسسي رابطة الكُتّاب الأردنيين العام 1974، صدر له العديد من الأعمال الإبداعية، ففي مجال القصة القصيرة صدر له  "المريض الثاني عشر غريب الأطوال"، العام 1983، "صباح الخير أيتها الجارة"، العام 1987، "شوارع الروح"، العام 2003، وفي 2006، صدرت الأعمال الكاملة له.
وفي مجال الرواية صدر له "الدخيل"، 1991، "ليلة عاصفة"، في 1995، "تلك الطرق"، في 2008، وفي 2006، صدرت الأعمال الكاملة الروائية، وصدر له كتاب بعنوان "فن القصة - وجهة نظر وتجربة"، في العام 2010، وحصل على العديد من الجوائز، كان آخرها جائزة ملتقى عمان الثالث للقصة العربية للعام 2010.

عزيزة علي، (الغد)

6/4/2017