«شواهد ليل».. أسئلة القاع إذ تطفو على السطح بجرأة
19 / 11 / 2017

 

لم يغادر سيل الأسئلة المرّة والواخزة حناجر أبطال مسرحية «شواهد ليل» لتعلق في الفضاء القاتم الذي أحاط بمشاهديها، وتكشف عن حالة الفصام الغاطسة في أذهاننا، والتي نتنفسها كل يوم، دون أن نتجرأ على طرح أو ملامسة أسئلتها والإجابة عليها.
في العرض الأول بعد عرض الافتتاح لمهرجان الأردن المسرحي قدّم المخرج خليل نصيرات «شواهد ليل» الحائز على جائزة أفضل عرض في مهرجان صيف الزرقاء المسرحي على خشبة المسرح الدائري في المركز الثقافي الملكي، ليترك الفضاء قاتما ليس بفعل الإضاءة فقط ولكن بعد ان هزّ جذور العديد من القضايا الإنسانية لتسقط التابوجات العالقة، ويجعلها أكثر عريا في زاوية مجتمعية قاتمة ومتجهمة.
نصيرات الذي قدم العديد من الأعمال المسرحية جاء هذه المرّة أكثر جرأة ، كاشفاً من خلال شواهده الليلية عن فداحة ما يدور في قاع المجتمع من تناقضات وموت بطيء يجرف كل أشكال الحياة ويجعل الإنسان يتعايش مع الموت ويستثمر في كل صنوفه ليبقى على حافة الحياة يمارس معاناته بتلذذ.
في المسرحية التي تدور أحداثها في ورشة لتصليح السيارات يبدأ الحوار بين سوزان البنوي (رتيبة) وثامر خوالدة (عزمي) وتبدأ معه عملية كشف متنامية لمشاكل ومعاناة فئة مختفية في المجتمع ولا تكاد تظهر، وتكشف معها معاناة مجتمع كامل، وتطرح اسئلة كبيرة بأسلوب درامي ناضج يوهم متلقيه بدور أن هذه القضية وعدم انتهائها من خلال سؤال بطل العمل: من أنا؟، ليعود في نهاية العمل ويبدي تخوفه من خلال تساؤله الأخير: يا خوفي أكون أنا اللي في بطنها، وهذا يؤكد توالد هذه القضية دون إيجاد حلول لها أمام اتساع رقعة الجوع والعوز التي تدفع لهذه النتائج.
يفرد النص مساحة مهمة للأسئلة دون الإجابات وكأنه يريد أن يورّط المجتمع من خلال المشاهد في البحث عن إجابات معه، ليعود الكراج محل الفعل مكانا اكثر خصوبة في تشكيل الوعي بهذه الحالة بعد أن يسرد بطل العمل قصة الطفل الذي يكتنز أحشاء السيدة التي جاءت لإصلاح سيارتها، لتعود هي وتسأله عن إمكانية أن يستر عليها وأن يقلل من عدد اللقطاء فيرفض، رغم أنه هو نفسه لقيط وأن أمّه قد تعرضت لنفس الحاجة من أحدهم ليستر عليها فرفض، فكرر هو حالة الرفض.
العمل الذي بدأ بشكل لولبي الأحداث حفر بعيدا في وجدان المتلقي من خلال نصه وقصته المتنامية دراميا وصولا إلى ما يريد، وحواراته رغم تشظي البطل والبطلة واستخدامهما لسائر وسائل الإدمان ليخرجا من الحالة إلا أنها تصعب وتزداد حالة التوتر والتردد الذي وصل في نهاية المسرحية بأن سكب البنزين على رأسه وعلى محله وكل ما هو حوله لينهي حياته ووقف أمام نفسه يريد أن يشعل النار فيها ليترك مخرج العمل المتلقي أمام حيرة وانتظار في أن يحرق نفسة ام لا؟ ليقف امام إنسانيته وحقه في الحياة كغيره من البشر.
خلق نصيرات مشهدية بصرية وظّف فيها جميع عناصر المسرح وبعيدا عن الجمالي فقد صنع حركة لولبية تتوافق ومنطوق النص، حرك خلالها الممثلين على خشبة المسرح دون حصول أي فراغ ظاهر مستعينا بمجموعة من التماثيل التي تمثل تشظي الشخصيات الرئيسية في العمل، بهدف تكريس البعد المشهدي الإنساني وإخراج الصخب الداخلي للشخصيات والذي ظهر أكثر نفاذا من الصخب الخارجي الذي اعتمد على تفريغ الطاقات والانفعالات بالتكسير أو ارتفاع الأصوات.
المخرج جعلنا نجلس مع أبطاله في كراج تصليح السيارات من خلال تكامل الإضاءة وأضوائها والأجواء المعتمة وأصوات أبواب السيارة وأضواء السيارة، والمنطقة المعتمة خلف السيارة والتي تعتبر وكراً تنسج فيه كل الحكايات فضاءً مهما وموهما للحكاية بصورة لافتة أكدت قدرته في مسك خيوط عمله والسيطرة على مجريات أحداثه.
وتنوع التمثيل بين رحيل الممثل للشخصية أحياناً، وبين رحيل الشخصية للممثل أحياناً أخرى، بين تنويعات تماهت في إيقاعاتها مع الموسيقى التي خلقت من النص الموسيقي لأغنية (ست الحبايب) رؤية جديدة، وطغى لون الصدأ على سينوغرافيا العرض بدءاً من ملابس الممثل وحقيبة الممثلة وصدأ السيارة وانتهاء بلون منافض السيجار في أيدي التماثيل وربطه بعمل شخصية (رتيبة) كعاملة في نادٍ.
وعمقت الإضاءة ودلالاتها فضاءات حركة الممثلين وأضفت على العمل لمسة إنسانية موجعة جعلت من رسائل العمل أكثر وضوحا، وهو الدور الحقيقي الذي يناط بالسينوغرافيا التي تحمل رسائل العمل أو تسهم في إيصالها بعيدا عن التأثيث غير المقصود والموجود فقط للحشو.
ثابر الموسيقي نور أبو حلتم في تقصي جذور المشكلة والاندفاع معها بأقصى طاقات الفعل الموسيقي الذي أسسه على أنساق الحركة والحوار فكان جزءا منهما، ومؤثرا مهما في تصعيدهما أو التخفيف من اندفاعهما، ولعل الإضاءة خلقت معارج واضحة لتصاعد النص وتأثيراته وتقاطعت معه لتنجز فكرته في غياهب القضية الإنسانية وفضائها المسرحي العميق، فكان ماهر جريان يتحرك بدقة في كراج السيارات الذي حضر ملاذا معتما في قاع أكثر اعتماما.
«شواهد ليل» الذي صمم ديكوره ببراعة عبدالله العلان، ودراماتورج رشا المليفي، وصوت يوسف كيوان، وإدارة مسرح بلال زيتون، ومدير إنتاج كاشف سميح، ومساعد مخرج محمد العشا ومحمد المومني، بدا متكامل العناصر مهما تجاذبت حوله الرؤى.

(الرأي)

18/11/2017