العرض الفلسطيني (المغتربان).. بؤس المنفى
21 / 11 / 2017

 

تعود فرقة مسرح «نعم» الفلسطينية من جديد ومن خلال مسرحية «المغتربان» من إخراج ايهاب زاهدة، وأداء محمد الطيطي ورائد الشيوخي، للاشتغال على الحوار الثنائي المشحون بالتوتر والخوف والعدائية، وهو ما يكشف الستار فلسفيا عن الكثير من القضايا التي يحملها المغترب معه إلى حيث يرحل.

المسرحية التي عرضت يوم الأحد الموافق 19/11/2017 على المسرح الرئيس بالمركز الثقافي الملكي وعالج نصها جورج إبراهيم عن رائعة البولندي سلافومير مروجك «المهاجرون»، تناقش علاقة الفرد بالسلطة المحتكرة للحريات والأحلام، بسخرية سوداء تنزف أسئلة غائرة في المجتمع، ومن خلال تقاطعات وجدانية ظاهرة ومستفزة وتّرت الحوار وصعدت به إلى غايته.

تدور أحداث المسرحية في ليلة رأس السنة حاملة معها الأحداث نفسها، ومكررة نفس الآلام والأوجاع، حيث تجتمع شخصيتان مجهولتان ومختلفتان في العمل والثقافة، ولكنهما ملتقيتان في الضياع والتشرد ويعيشان في مكان قميء ومزر، يستمعان فيه إلى أصوات المجاري التي تخترق أسماعهم كل حين، حيث يدور بينهما حوار وثرثرة طويلة، ليتهم الرجل البسيط المثقف بأنه خائن لوطنه وأنه غادر خشية الاعتقال والموت، فيما المثقف يتهم العامل البسيط بأنه جشع وطماع ويترك أهله ووطنه من أجل حفنة دولارات.

الحوار الذي يدور على أصوات فرقعات المجاري في القبو الذي يلتقي فيه المغتربان يأخذ منحى فلسفيا أحيانا وأخر أشبه بالثرثرة، وأخر أشبه بالمونولوجات الحزينة التي يشوبها الخوف والرعب من السلطة وأدواتها ليصل الأمر بأن يشك كل واحد منهم بالأخر بأنه مبعوث لمتابعته وهذا يؤكد على أهمية مستويات الحوار حيث ترتفع وتهبط مقرونة مع الحالة النفسية لكل منهما.

القضية التي طرحت خلال الحوار وتشعباتها لفتت إلى عدم الإحاطة بالإطار الزماني والمكاني حيث عالجت السلطة والقوة وعلاقتهما بالخوف الذي يتأصل في النفس البشرية حتى ولو ابتعد المتسلط وذلك من خلال ظهور الشحن النفسي والخوف على وجوه الشخصيات التي قدمت العمل، وأسهم الممثلان في توتير الصراع من خلال قدرات إستثنائية حضرت على المسرح، تناغمت مع المؤثرات الصوتية التي تمثلت في أصوات المجاري وموسيقى ليلة رأس السنة وغيرها.

اتضحت معالم المكان بكل بساطة عندما فتحت الإضاءة على الخشبة ليظهر المشهد العام للمكان أنه غرفة تحت بناية، تخترقها أنابيب المجاري التي يعلو صوتها كل حين، فيما يظهر شكل السرير الخاص بالمغترب الفقير وغرفته التي تحوي كل ما جمعه، فيما يظهر السرير محاطا بالكتب وغيرها، لتنصهر الأشياء في غرفة مظلمة يتساوى فيها المثقف وغير المثقف، الذي أوجدها زاهدة من خلال سينوغرافيا مكتملة الحضور أسهمت في تصوير أوجاع كلا منهما.

الانفعالات الوجدانية التي كانت تظهر كل لحظة على حوارات الممثلين أسهمت في تطوير حالة التلقي والاندماج في الانطباع الموحي بصدق القضية التي عايشها العديد من الشباب العرب إضافة إلى إسقاطها بوضوح على أسباب هذه الهجرة ودوافعها ووجهات النظر المختلفة حولها، لجهة المهجرين على مختلف أنماطهم الفكرية، أو دوافع هجرتهم ومن يقف خلفها والأسباب التي دفعت لها. رغم طول الحوار الذي كان يمكن اختزاله باجتزاء عدد من الجمل المكررة فيه إلا أنه جاء بنسق واضح متواصل منتقدا المجتمعات العربية التي تسعى وراء الملذات وجمع الأموال وتدفعهم ليعيشوا في أماكن تشبه إلى حد بعيد البكتيريا في أحشاء المجتمعات المحترمة، مؤكدا كل منهما أنه يحب وطنه ولكن من زاويته.

وفي متاهة الأسئلة الكبيرة والبحث عن إجاباتها والتي ظهرت في نص فكري يبحث عن الاكتمال، كانت الإجابات تدور في قبو بعيدا عن الناس وبعيدا عن أصحاب القرار، ليظهر التماسك والقدرة على الوصول إلى نهاية مفتوحة على كل التأويلات.

(الرأي)

21/11/2017