Black & White
(خمسة أعوام في شرقي الأردن) للأرشمندريت نعمان.. منطلقات الثقافة الأصيلة
-A +A
11 / 01 / 2018

 

ريادة الأردنّ مشهودٌ لها في ثقافته وأصالته وبنائه الاجتماعيّ، والرحّالة والباحثون الذين مرّوا عليه تركوا بين أيدينا مواضيع شائقة ومنطلقات ثقافيّة وأخلاقيّة وأدبيّة وقضائيّة ودينيّة راسخة، من أمثال الأرشمندريت بولس نعمان، الذي نتداول أثره في كتاب «خمسة أعوام في شرقي الأردنّ»، الذي أهداه الوزير الأسبق الكاتب صالح القلاب لـ«الرأي»، مستحسناً مفرداته ومستخلصاته، وهو الكتاب الذي قدّمه شاعر القطرين وأمير الصناعتين خليل مطران، ووطّأ له مؤلّفه نعمان، بقلائد من النثر، خصوصاً وقد جالس الملك المؤسس- الأمير- عبدالله الأوّل ابن الحسين، في عشرينات القرن الماضي ولقي عنده حفاوةً وإكراماً وترحيباً، فكان أن صدّر كتابه بقوله «إلى الأمّة العربيّة النبيلة، وإلى حضرة صاحب السّمو الملكي الأمير عبدالله المعظّم، زعيم الشرق العربيّ وحامل لواء نهضته، والعامل الأكبر على عمرانه وحضارته وترقيته وازدهاره، بمآثره الغراء ومآتيه الحسناء...» وقد لقينا في مقرّ الأمير، بشهر كانون الأوّل سنة 1927 حفاوةً وإكراماً وترجيباً، وأحيينا في خلدنا ذكر أمراء العرب الأماثل، وتمثّلنا الكرم الحاتميّ والعلم الزاخر والأدب الرائع في كلّ مظهرٍ من مظاهره الفتّانة، وقد علم سموّ الأمير بكتابنا هذا فاستنهض همّتنا إلى نشره وتعميم فائدته، فلم نر بُدّاً من تحقيق أمنيته ورغبة الكثيرين من أصحاب العرفان».

ويلمس القارئ بديع وصف الأب نعمان، في استهلاله مُؤَلّفه، إذ يقول «لقد جلنا في الشرق العربيّ قبل المجزرة الكونيّة، وطوينا خمسة أعوام بتلك الديار الداثرة، وسرّحنا الأنظار في هاتيك المدن البائرة، وتأمّلنا ما كانت عليه من المجد والثروة ووفرة السّكان في الأجيال الغابرة، وكيف انقرضت بعد أن تعاقبت عليها الدّول الفاتحة. وقد وقفنا على الأطلال المبعثرة آثار ممالك بائدة، فملكتنا رهبة الأزمان الدابرة، وتذكّرنا قول الشاعر العربي: (أتى على الكلّ أمرٌ لا مردّ له/ حتى قضوا فكأنّ القوم ما كانوا)، فسبحان من لا يتغيّر بتغيّر الازدهار».

ويتابع الأرشمندريت بولس نعمان «وعدنا بعد الحرب الكونيّة، ورأينا فيها إمارةً واسعة الأرجاء، يسوسها ويحكمها سليل البيت الهاشميّ، الأمير عبدالله المعظّم، بعلمٍ وفطنةٍ وذكاء، وحوله رجال وطنيّون نبهاء، يتلقّفون آراءه السديدة ونصائحه الصّائبة، ويسيرون إلى جانبه لإحياء البلاد وإسعاد العباد، وشاهدنا المعاهد العلمية منتشرةً في كلّ أطراف الإمارة من المدينة العامرة الزاهرة، وعاينّا طرق المواصلات منظّمةً، والأمن مستتباً، والعدل باسطاً جناحيه، والبلاد راتعة في رياض السلام والوئام، والعناصر المختلفة والطوائف المتنوعة تتغنّى بغدٍ ميمون سعيد... ».

وتبدو التقسيمات الإداريّة في ما كتبه نعمان معالم طريفةً تحيلنا إلى قراءة المنطقة آنذاك، إذ يقول: « بَيْدَ أننا لو أردنا في هذه العجالة وصف بلاد شرقيّ الأردن في الأعصر القديمة، من عهد المؤابيّين والعمونيين إلى عهد العجم واليونان والرومان والعرب والترك، لضاق بنا المقام ولم نُصِب الغاية التي توخّيناها من وصف العادات والأخلاق. فكلّ مدينة من مدن عمّان- ويحيلنا الأب نعمان إلى مقالته في ربّة بني عمّون سنة 1913 في مجلة المشرق- وجرش وحسبان والكرك وعجلون وجدارا ومأدبا وماعين وغيرها من المدن تستغرق وقتاً مديداً وتستقصي بحثاً خاصّاً منفرداً، وسنأتي على وصفها،.... إنّ شرقيّ الأردن هو قسمٌ من بلاد الشّام يمتدّ من وراء نهر الأردن شرقاً إلى بادية الشّام والعراق، وتحدّه شمالاً بلاد حوران وجبل الدروز، وغرباً مجرى الشريعة أو الأردنّ، وجنوباً مملكة ابن السعود إلى وادي موسى والعقبة. وقد قُسّمت تلك البلاد إلى عدّة مقاطعات: أشهرها مقاطعة عجلون والحصن شمالاً وفيها بلدة الحصن وإربد وجرش المعروفة، ومقاطعة عمّان وعاصمتها عمّان، وقد أصبحت في عهدنا عاصمة الإمارة كلّها، وفيها مأدبا وصويلح وماعين ووادي السير وناعور ومقاطعة السلط أو البلقاء، وحاضرتها مدينة السّلط، وفيها الفحيص والرميمين، ومقاطعة الكرك وحاضرتها الكرك أو ربّة مؤاب القديمة، ومقاطعات الشوبك والطفيلة ومعان ووادي موسى. ».

وفي حديثه عن عشائر شرق الأردنّ، يورد نعمان جدولاً «ذكرناً فيه العشائر كلّها وفرقهم وشيوخهم ومواقعهم وعدد بيوتهم، مع حواشٍ قيّمة عن درجة غناهم وصلاتهم بمن جاورهم ونفوذهم، إلى غير ذلك مما تلذّ مطالعته، وكنّا نحبّ أن نستقي تلك الأسماء من مصادر الحكومة الرسمية، فلم نجد ما يروي غليلاً إلا ما جمعناه بنفسنا بعد مجهودٍ كبير لا يعرفه إلا من عانى مثل هذه الأبحاث النادرة».

ويقف المؤلّف على أنّ قوماً قد يظنّون أنّه ليس لأهل البادية من شعرٍ يتغنّون به، شأن الأمم البعيدة عن الحضارة، «على أننا وجدنا بين تلك القبائل شعراً حكيماً وروائيّاً وحماسيّاً ورثائيّاً يتوارثه الخلف عن السّلف، ورأينا أنّ البادية أحيت من صاغة الشعر عدداً كبيراً لا يستهان به، وذلك أمرٌ طبيعيّ، لأنّ الشعر ينطق به البدويّ وترسله قريحته عفواً بلا تعب، فهو حينما يطوي القفار الشاسعة تؤثّر في مخيّلته صور الجمادات ومظاهر الحياة التي يتعهدها بنواظره. هناك يرى الجبال الشامخة والسهول الفسيحة، والوديان المقفرة والأطلال البالية، والمياه المترقرقة والأشجار الخضراء، ويحضر الحروب والغزوات والولائم والأفراح، والمآتم والأتراح، ويعاين الكرم العربي والشمائل الغراء، فتنحصر في حافظته ويستودعها بحرص، إلى أن ينطق بها بالشعر الجيّد، ويصف تلك المشاهد اليومية العادية وغير العاديّة التي انطبعت في محفوظه».

ويتابع الأرشمندريت حديثه عن هذا الجانب مشترطاً المعرفة بطبائع البدو والعشائر وبذل الزمن المديد لجمع أشعارهم وانتخاب قصائدهم في القفر والمدن، «ويُطلب ممن يخوض فيه أن يكون عارفاً بطبائعهم وآدابهم متضلعاً من لغتهم العويصة، كي يعبّر عن غامض الشعر ومبهمة بما يطابق المعنى الصحيح، وأن يكون قد قضى بين ظهرانيهم أياماً كثيرةً ناقلاً منظومهم ومكرراً ما سطّره لأول مرّة، وناقداً مواقع الغلط ومواطن الزلل... ».

ويكاشف المؤلّف حزيناً لأنّ «بعض الباحثين لم يقيموا لهذا الشعر وزناً، لجهلهم به وصعوبة الوصول إليه، ولا نوّهوا به في كتاباتهم اللهم ما ندر من الرحالة الأوروبيين الذين وصفوا عادات العرب وأشعارهم لأغراض سياسيّة أو تجارية أو فكاهيّة، وسطّروا في عرض الكلام شيئاً عن آداب العرب بما لا يروي ظمأ المطالع المدقق أو يروي غلّة صادٍ، وإذا أتوا ببعض الأشعار نقلوها إلى لغاتهم الأعجمية، فلم تَغنَ العربية بها ولم يتوفق المرء إلى معرفة الأشعار بغتها الأصيلة.. ».

وبمثل هذا، يسير الأرشمندريت نعمان متحدثاً عن الحكم والقضاء في شرقي الأردن، مؤكّداً قيمة هذا العنصر بقوله : «.. ولم نرض بنقل ما طالما سمعناه وقرأناه عن ذكاء القضاة وتوقّد ذهنهم، حتى رحلنا بنفسنا إلى مضاربهم ونزلنا تحت خيامهم، وحضرنا مجالسهم وتعهدنا قاضيهم، ورأينا مجرى الدعاوى وما يحتاط بها من مقدمات ونتائج.. ».

وفي كتابه، لم يكتف المؤلف بالبحث عن آداب العرب وشعرهم وقضائهم ونظامهم، بل تناول موضوع عقائدهم الدينية، داحضاً قول بعض الأوروبيين بأنّه «لا دين للبدوي، بل هو جاهلي في سائر حياته وحالاته».

ويُعدّ الكتاب بفصوله مرجعاً يمكن اعتماده لريادته ولإلمامه بمواضيع كثيرة تتخللها أو تلحق بها ملاحق وجداول عن عشائر شرقي الأردن من الجنوب إلى الشمال، وهي عشائر تشمل أيضاً العشائر المسيحيّة وشيوخها ومناطقها، مع تقسيمات إداريّة وشعبيّة على مستوى المحافظة أو المدينة، كما في معان الحجازية والشامية على سبيل المثال، وما يتفرع عن التقسيم من أسماء تصلح مهاداً لقراءات حديثة تتبع التطوّر وبواعث النهضة والازدهار والترحال.

(الرأي)

11/1/2018