Black & White
مسؤولية الفكر ومستقبل العرب والقضية الفلسطينية ... الدكتور محمد أبوحمور
-A +A
26 / 02 / 2018

 

تفرض تطورات الأحداث والمتغيرات في مساراتها على مستوى المشرق العربي، جهوداً مضاعفة على مراكز الفكر والدراسات في البحث والتحليل والاستشراف. كما أن تلاحق هذه التطورات وتداخلها على الصعيدين الإقليمي والدولي يجعل من إعادة ترتيب الأولويات في الرصد والعمل البحثي مسألة ملحّة وضرورية، تقتضي سرعة الاستجابة، لكن ليس على حساب الوضوح والشمولية، ودون أن ينفلت زمام الموضوعية والعقلانية في التحليل عن معطيات وحقائق لها أسانيدها وشواهدها من الواقع المنظور والملموس.

إن الانفصام بين الفكر والواقع هو بحد ذاته أحد مظاهر التفكك التي تتجاوز الأطر النظرية لتشكِّل مظهراً من مظاهر الأزمات الكبرى في التاريخ الحي. ومن هنا فإن تجارب الشعوب والأمم في مواجهة عواصف التحديات وتجاوز منحنيات التشتت وتيارات الانقسام والتشرذم، تؤكد على دور الفكر في التأسيس لمنطلقات النهوض نحو المستقبل، وإضاءة سبل السير نحو بر الأمان والاستقرار، والاحتماء بمنجزات حكمة الفكر، وإحكام التخطيط ودقة العمل.

لقد لخصت كلمة سمو الأمير الحسن بن طلال في الحلقة النقاشية لمنتدى الفكر العربي (الثلاثاء 20/2/2018) حول «مستقبل القضية الفلسطينية في إطار المشرق العربي»، هذه التوجهات، في حديثه عن دور الشباب العربي، عدّة المستقبل وعتاده، في التفاعل مع التحديات الحقيقية التي تواجه الشعب الفلسطيني، من خلال الدعوة إلى تأسيس مرصد متخصص بالشؤون الفلسطينية، بمعنى التعامل معرفياً مع الأحداث والوقائع وصناعة «حالة متقدمة من التفاعل» غير محصورة بيوميات الأحداث الآنية، وإنما هي حالة تستمد قوة تأثيرها وفاعليتها من الاستناد إلى تراكم معرفي قائم على النظرة إلى الماضي كمقدمة للمستقبل، والتفكير في كيفية تأمين مستقبل الأجيال القادمة على أرضية من القيم السليمة التي يحكمها التفاؤل لا جلد الذات أو العدمية.

وضمن الإطار المشرقي العربي، فإن المعني بالتأطير هنا هو التكامل بين دول الإقليم على أساس المشتركات في العوامل، التي تفرض بدورها التكاملية، كما تمهد للتعاون من أجل التصدي لتحديات يعاني منها الجميع وهي بطبيعتها ممتدة التداعيات وتشمل الجميع، ولا تستثني طرفاً على حساب طرف آخر، وفي مقدمتها مكامن القصور التنموي، وندرة المياه، والنقص في الطاقة، وموجات اللجوء والنزوح البشري نتيجة الصراعات الدامية والحروب المستمرة في المنطقة.

ولعلنا ونحن نتناول موضوع «مستقبل القضية الفلسطينية» في إطارها المشرقي نؤشر على ملامح مرحلة تاريخية عمرها حوالي مئة عام من الصراع، والعنف بمختلف أشكاله، والمتغيرات الدراماتيكية، وألوان المعاناة التي شهدها المواطن العربي في هذه المنطقة. وفي نفس الوقت، فإننا نستشرف الآتي بوتيرةٍ سريعة عبر ما يتردد عن تغيير الخرائط والتحالفات واتجاهات الحلول، وما يدور حول صفقة القرن القادمة، إلى جانب مشاريع القوى الإقليمية والدولية وتأثيرها الذي نعرفه.

وإذا كانت القضية الفلسطينية وما مرَّت به من تحولات، ما تزال قضية العرب المركزية، وقضية الشرق الأوسط؛ بل والعالم كلّه، بأبعادها السياسية والأمنية والقانونية، ومن قبل الأبعاد الحضارية والإنسانية المتعلقة بالحقوق والأرض والموارد، فإن معادلات (الحل) في الأفق المنظور لا يبدو أنها تراعي أياً من تلك الأبعاد أو الحقوق الفلسطينية والعربية، لأنها مُصاغة لتخدم أجندات صانعيها والقوى التي تقف خلفها.

لقد انتهجنا في منتدى الفكر العربي أن نركز على الحوار الفكري والتحليل الهادئ الرصين للمجريات، وتبادل وجهات النظر، دون ملاحقة تتركز على يوميات السياسة وردود الفعل الآنية، لأننا نسعى إلى بلورة رؤية فكرية تُعين على التشخيص الدقيق ما أمكن، وتقدير الموقف وفق معطيات تفضى إلى قدر معقول من الدقة والموضوعية.

وعلى هذا الأساس تم اختيار المحاور الستة لهذه الحلقة النقاشية عن القضية الفلسطينية، ابتداء من الماضي بوصفه المقدمة للحاضر والمستقبل، سواء في الجانب التاريخي أو السياسي، ثم دراسة التباينات الاقتصادية والاجتماعية في إطار المشرق العربي، انتقالاً إلى مقومات العلاقة المستقبلية الأردنية الفلسطينية ومحدداتها، وهي العلاقة التي تشكل مفصلاً أساسياً في الحاضنة العربية والإسلامية لفلسطين؛ القضية والشعب والمصير، ثم المصير المؤسسي العربي والإسلامي في القدس، وقضية اللاجئين، وقضايا الطاقة والمياه والبيئة الإنسانية من خلال تقييم مدى الالتزام باتفاقية السلام من حيث البُعد المكاني والبُعد الإنساني والموارد.

إن نتائج هذه الحلقة تؤكد من جديد أن الترابط الأردني الفلسطيني يعدّ شرطاً من شروط إقرار السلم والاستقرار في المنطقة، فلا معنى للسلام من دون الفلسطينيين، ولا سلام أيضاً من دون الأردن، مما يحتم استمرار التنسيق والتعاون بين الجانبين، واستمرار دور الأردن التاريخي منذ بدايات النهضة العربية في الدفاع عن الحقوق العربية والفلسطينية وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني وتثبيته على أرضه، واستعادة حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة، وإنهاء الاحتلال.

وفي هذا السياق تفعيل الوسائل الدبلوماسية والقانونية في المحافل الدولية لإبقاء القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية قضية ضمير حيّة، وتعزيز الصمود العربي المقدسي بكافة الطرق، ودعم الوجود العربي في المدينة المقدسة، بما في ذلك إبقاء التواصل مع مواطنيها العرب على وتيرة عالية معنوياً ومادياً، والعمل على إنماء الموارد العربية الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية فيها، والوقفية أيضاً.

وفي نطاق هذه الندوات عُقدت ضمن برنامج «القدس في الضمير»، الذي يتبناه المنتدى ويرعاه سمو الأمير الحسن بن طلال العديد من الأنشطة، كان من أهمها: ندوة «القدس وأوقافها: مستجدات الأوضاع القانونية والإنسانية والديموغرافية»، وإطلاق كتاب «الأوقاف الإسلامية والمسيحية في القدس» (20/4/2015)، وندوة «الأوقاف الذُّريّة في القدس الشريف» (17/11/2016).

كما أصدر المنتدى بياناً حول الاعتداءات الإسرائيلية على القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية (15/9/2015)، و«نداءً من أجل القدس» أدان منع المسلمين من الصلاة في المسجد الأقصى وإغلاقه من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي (15/7/2017)، وكان آخر ما أصدره نداء إلى الإدارة الأمريكية حذر فيه من تبعات الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل وقرارها نقل السفارة الأمريكية إليها (5/12/2017).

إن تكوين نظرة علمية عربية نحو مشكلات التنمية بهدف الإسهام في صياغة نظام عالمي جديد قائم على أسس عادلة ومتكافئة، هو أحد أهداف المنتدى الذي يتمثل في بناء الجسور بين الفكر وصناعة القرار والمجتمع المدني. وقد عبَّر الإنتاج الفكري للمنتدى، من مؤتمرات وندوات ولقاءات ودراسات، عن هذه الأهداف والتوجهات، وجسدها في مبادئ عملية ومواثيق أطلق منها: «الميثاق الاجتماعي العربي» (2012)، و«الميثاق الاقتصادي العربي» (2015)، وسيطلق خلال الفترة القادمة «الميثاق الثقافي»، ثم «السياسي» و«البيئي».

وإن تراثنا الفكري، والمخزون القيمي الأخلاقي لدينا، وفي ظل الظروف المضطربة التي عانت منها الأمة على مدى سنوات وعقود ماضية، يدعواننا إلى إعادة النظر في أسباب مشكلاتنا على مختلف الصعد بنظرة مستشرفة لا متقهقرة إلى الوراء حينما نتحدث عن مفهوم النهضة، وإلى إعطاء ميزة «التفكير خارج الصندوق» دورها في فتح الآفاق من جديد لحياة أفضل في هذا المشرق العربي تقوم على الفهم والتفهم والتفاهم، وعلى النزعة الإنسانية الحرّة، واستكشاف مكامن بناء الإنسان العربي الجديد وتخفيف معاناة المجتمعات العربية إلى أقصى حدّ ممكن.

 

الرأي 26/2/2018