Black & White
من كرك العز للأهل في عروس الشمال ... د. معين القرالة
-A +A
27 / 03 / 2020

إربد، خَدَّاكِ يا بنتُ من دحنونِ ديرتنا !

ما زال في الوقت متّسعٌ لركعتي فجر فوق ترابها الأسود، وفي الوقت حنينٌ لهوائها الرطب ساعة الغروب في أيلول، وفي الوقتِ شوقٌ لدحنونها ساعة الصبح في نيسان، لله درُّ عرارها :
خدَّاكِ يا بنتُ من دحنونِ ديرتنا
روحي فداء الخُديدِ الأحمرِ القاني !!

فلن يدرك الهوى يا عرار إلّا من سرى فجرا في أيلولها، ومن مشى فيها عصرا وهواؤها يلاعب شعر غرّته، ومن نام ليالٍ تحت أنجم سمائها مقابلا بوابة اليرموك من الشرق، فآهٍ على اليرموك من ألسنةٍ لا تعرف معنى الهوى : أقولها مستذكرا أول زيارة لها قبل أكثر من عقد ونصف، ومتمثلا حال مصطفى :
« أَهَوًى ؟ ولات حين تصابي ! »
وأدركت كيف تعشق الأرض، وحق لإربد العشق، وحقٌ علينا التصابي، فمن رآها في الشتاء مخضرّة، يدرك المعنى الذي أريد، ويعرف الشتاء في «خدود عجائزها المدقدقة بوشم الزيتون » وفي اليرموك للقهوة العربية معنى يفوق المذاق لا يدركه إلا من ناولته إيّاها يدُ أمٍّ أفاقت فجرا لتجهزها خشية التأخر عن حفل تخرّج ابنها، ومن لم ينظر فيه وجهِ أبٍ يداري دموع عينيه أنفةً على الفرح الممزوج بالتّعب :
فهمُ الأهلُ، لا مُستودعُ السِّرِّ ذائعٌ
لديهم، ولا الجاني بما جَرَّ ، يُخْذَلُ

ولليرموك الدار سلامٌ سمعته ذلك اليوم وما زال في القلب يتردّد :
على اليرموك أقسمنا اليمينا
بأن نبقى له الدِّرعَ الأمينا

ففي اليرموك المعركة أبو الدرداء، وشرحبيل، وعامر بن الجراح، وفيه من فيه من شهداء سقط الزمان على أيديهم وما سقطوا، وفيها من ارتقوا، ومن صدقوا ما عاهدوا الله عليه، أصحاب خالد، فللهِ درُّ من ولاّه ومن عزله، ولله فتيةٌ خيّطوا الصحراء من دمهم وأوجبوا لنداء الأرض ما وجبا .

وفي العقل متّسعٌ لأستذكر أول صيامٍ لشهر رمضان في الفوتيك العسكري، ولأول عيد فطر فيها !!! فحين أذكر تلك الأيام يردني الهوى لعرار مرة أخرى :

يا مَيُّ! أشطانُ الخيالِ أرثُّها
مَتَح الوقائعَ من معين سرابي

وأزاهرُ الشوقِ المُلِحِّ أَخَالُها
لفْحَ السَّمومِ تغُضُّبا بإهابي !

لفح السَّموم الأخبار اليوم يا إربد، وكأنّ عمواس يقف على حنين منك، ويدنو إليك مشتاقا لوصفي، ولعرار، وللدحنون، وللزيتون، ولليرموك الدار، ولليرموك النهر، فأعود لعرار مرة أخرى، وقد عرفتُ الدار بعدَ توهُّمِ :

يا حاديَ الرَّكْبِ ! قفْ واصْمُت على مَ
ضَضٍ، فالرَّكبُ تَحدوهُ سَعلاةٌ تَحَدَّاني

قِفا بِعِمْواسَ يا ابْنَيَّ وانتظرا
لو ساعةً ، فَهوَى وصفي تَحَدَّاني

وسَائلا كلَّ رَكْبٍ مَرّ عن ولدي
وسائلا الرَّكْبَ عن ( دحنون ) أوطاني .

حمى الله إربد من عمواس الجديد وحمى الأردن، وأعاذنا من هذا المرض أجمعين .