Black & White
الطويسي يُحرّك "مياه المحتوى الوطني الرقمي" الراكدة ... عثمان الشواورة
-A +A
31 / 05 / 2020

 

هل هناك محتوى معرفي وثقافي كافٍ عن الأردن؟ وإن كان هناك محتوى من هذا القبيل، هل هو منصفٌ وعادل؟ وهل هذا المحتوى، بكل أبعاده، يعكس كافة مراحل بناء هذه الدولة وتأسيسها، وكافة المراحل التاريخية التي يستند عليها كيان هذه الدولة؟
هذه الثلاثية من التساؤلات، بدا وكأنها تُشكّل بعضا من الخطوط العريضة  لذلك النهج الذي يسعى الوزير الطويسي للسير فيه، وتبنّيه، خلال فترة مكوثه على رأس وزارة مهمة ومعنية أولا وأخيرا في هذا الصدد.
الطويسي وفي الندوة التي نظمها نادي أبناء الثورة العربية الكبرى عن بعد، لمناسبة احتفالات المملكة بالعيد الرابع والسبعين للإستقلال، قال إننا الآن في بداية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، والواجب الأخلاقي والوطني الحقيقي، يُحتم علينا الحديث بمدلولات معرفية واعية، وخطابٍ علمي سليم، وليس خطاب إنشائي سياسي تداولي، أو خطب مجالس، كما يقال.
وفي استهلاله لحديثه، بالإجابة عن تلك التساؤلات، قال الطويسي، بأن المحتوى المعرفي والثقافي عن الأردن، غير كاف أبدا، بل وغير منصف في جزء غير يسير منه. ومن الواجب علينا أن نُطوّره، ونضاعفه مرات ومرات، بل وأن نرتقي بجودته ومضامينه إلى مراحل متقدمة، وتحديدا، وعلى الأخص، ما هو مكتوب ومتوفر باللغة العربية، فهذا الأخير، وفي غالبيته، ووفقا لحديث الوزير، قد كتب بحبر الآخرين، ودُوّن على منصاتهم، وحكي على منابرهم، بل إنه جاء نتيجةً لظروفٍ تاريخية بائدة، ساد فيها خطاب "إيديولجي" صراعي،  تبنته عن قصد وغير قصد، أنظمة ربما معظمها الآن في ذمة التاريخ، ما لفّ وغلّف هذا الخطاب، بأغراضٍ سياسية منحازة، وغير محايدة أو منصفة.
إذن فالواجب، يُحتّم علينا كما أكد الطويسي، نحن المُثقفين من أبناء هذا الجيل، المتحلّين بالوعي الكافي، والنظرة الثاقبة، والمتبصرة، أن نتبنى نهجا واضحا مدروسا ومنظّما، يتم من خلاله تشذيب هذا المحتوى وتنقيته مما علق به من شوائب ودسائس، وليس هذا وحسب، بل أن نبدأ، بكل جدية ومهارة، بكتابة سرديته الغنية اللآئقة به، وأن نشرع بضخ ذلك المحتوى الموضوعي المنصف والمتقدّم، بكل الوسائل العصرية المتاحة، والذي من شأنه أن يُكفر، ربما، عما مضى من تقصير، وينصف هذا الوطن، ويكافئه بكل عدالة وإخلاص، ويقدمه بصورته البهية الرائعة، التي يجب أن يخرج عليها.
إننا الآن على بعد خطوات من مئوية تأسيس الدولة الأردنية 1921-2021 ، وهذا الجهد، الذي يجب القيام به، ما هو إلا نزر يسير من حق الأردن والأردنيين علينا، آباء وأبناء وأحفادا.  هذه المئوية المشرفة، المتروسة بالإنجاز والبناء والتقدّم، على أسسٍ راسخة ، تبحر بشراعٍ متين، ودفةٍ قويةٍ، في خضم يمٍ متلاطم من حولها.
الدولة الأردنية الآن، كما قال الطويسي، هي الأقدم، والأكثر استمرارا واستقرارا سياسيا، وأمنيا، واجتماعيا، هذا النظام، بكل ما فيه من مُعطيات وحيثيّات، حافظ على قيمه، الأخلاقية، والوطنية والنهضوية، والسياسية الرّاقية على مدى 100 عام من الزمان، وأربعة أجيال من الحُكام، وهذا، ربما، لم تفعله عتاتيت الأنظمة في المنطقة، ولم يحدث لا في الإقليم، ولا في الشرق الأوسط بشكل عام.
علينا إذن أن نخرج بكل بسالةٍ من قوقعتنا، وأن نُقدم خطابنا نحن، وروايتنا الخاصة، بشكل محايد، وحقيقي، للعالم العربي والعالمي، وأن نُشذّب ما هو موجود في الأساس من محتوى، ملطخ ببقايا آثار الحروب العربية الباردة في فترات سابقة.
الطويسي قال أيضا، إن هناك روايات ومضامين حول نشأة الدولة الأردنية وبنائها واستمرارها على نهجها الواضح، قدّمها الإعلام الرسمي، بطبيعة الحال، وربما عدد قليل أيضا من المؤرخين، ولكنها، وللأسف، لم تجد الإنتشار الذي تستحقه وتستأهله، ولا الضوء الكافي المُسلّط عليها، والذي ينبغي أن يجد لها موطئ قدم في المؤسسات الإعلامية والأكاديمية العربية.
هناك مواقف شعبية ورسمية متقدمة فيما يتعلق بالمشروع الصهيوني، واحتلال فلسطين، ودور الجيش العربي الأردني، ونضالات أبناء الشعب الحقيقية والجبارة، لكنها غُمرت، ولم يتم تقديمها بشكلٍ لائق وواضح ومنصف للإعلام العربي، أو حتى العالمي.
وفيما يتعلق بالتاريخ المركزي الأردني، والحضارات العظيمة المعروفة التي مرّت على أرض الأردن، ما زال هناك تقصير في تصدير هذه المشهد وإبراز محتواه، فجزء غير يسير من كيان الدولة، وأمنها الناعم، كما تقول الدراسات الفلسفية الحديثة، هو في تاريخ الدولة المركزي الذي تتفاخر به وتصدره.
إذن، وفي ظل الأوعية الرقمية، وثورة المعلومات، والبيانات الضّخمة، وبروز هويات الأنظمة والمجتمعات بشكلٍ واحدٍ على وجه التقريب، أكثر تداولا، وأكثر استشهادا به، من قبل الباحثين والناشدين والمتابعين، هو الشكل الرقمي، على المنصات  والفضاءات الإلكترونية المختلفة، فنحن الآن، بحاجة إلى دعم حقيقي، وخطةِ عمل، ونهج واضح، ورصين، وناضج، لتصدير المشهد الأردني الوطني، بكافة أشكاله الأدبية، والفنية، والهوياتية.
المرحلة الآن، هي مرحلة التصدير المعرفي، والإنتاج البصري والسمعي، من خلال المواد الفلمية الإبداعية بكافةِ أبعادها وأشكالها، الوثائقية، والروائية والتّسجيلية، والعمل على تحميل الخطاب الأردني، بشكلٍ مباشر وغير مباشر، وعلى جميع الأصعدة الممكنة والمتاحة، فالأفلام الوثائقية يجب أن تُنتج، والدراما الأردنية يجب أن تتصدر كما كان المشهد من قبل، وأن تُحمّل بتلك المضامين والجماليات المنصفة والحقيقية، والمنصات الإلكترونية يجب أن تُفعل وتعبأ، بطريقة إبداعية جاذبة ومتاحة للكل، بتلك المعلومات والبيانات حول الأماكن والأزمنة الأردنية، وبالتأكيد حول الشخصيات الأردنية المهمة في كل صعيد ومنحى.