Black & White
وزارة الثقافة وجهود ملف التحول الرقمي والإعلامي ... إبراهيم السواعير
-A +A
18 / 06 / 2020

 

بات من الضروريّ جدًا، في هذا العصر الذي أصبح فيه كلُّ شيءٍ مُتاحًا، ومباحًا أيضًا، أن تتحصّن المجتمعات من أخطار الفضاء الأزرق والمحتوى الإعلامي "الْمُربك" قبل أن نقول "الخبيث"، والذي بات ينزل على رؤوسنا في الليل والنهار، وأمام هذا التقدم فوق الهائل لتطوّر "المعلوماتيّة"، يغدو لزامًا على الجميع: حكومةً ومجتمعًا ومؤسسات مدنيّة، الانتباه إلى فكرة "التحصين"- التي لا تنفي الحريّة بخنق الأنفاس أمام ما يأتينا على طبق من أثير، وهي فكرة مهمّة يدخل فيها الجانب الثقافيّ أو اليقيني بالمواجهة تحت بابي: منع الاختراق الثقافي والاجتماعي، ومنع التقوقع والانعزال أيضًا أمام فوائد التحولات الرقميّة التي لا نطيق صبرًا على التعامل معها والاستفادة منها في تطوير ذاتنا الوطنيّة وأدواتنا الاتصاليّة لنشر فكرنا وتأكيده أمام الرياح العاتيات التي ربّما باتت تُشْكِل على أبنائنا وعلى النخب أيضًا؛ فيضطرب المجتمع من داخله بين نارّي: عدم المعرفة والانسياق، والتخلّف لدى قطاعات عديدة تحتاج خطّةً لتكون على بصيرة في التعامل المعرفيّ الرقمي.
ولا شكّ أنّ في هذا ما يجعلنا نبارك "الخطّة التنفيذية" لـ"المبادرة الوطنية لنشر التربية الإعلاميّة والمعلوماتيّة"، التي أعدّتها وزارة الثقافة، ووافق عليها مجلس الوزراء، وقدّم وزير الثقافة الدكتور باسم الطويسي إيجازًا بشأنها، مهتمًّا بما أسماه "معركة" مواجهة الإشاعة والتضليل بمختلف مصادره وأشكاله.
من النقاط المهمّة التي وقف عندها الدكتور الطويسي في حديثه عن الخطّة التي تستمر في إطارها الزمني الموضوعيّ، أربع سنوات، مسألة "الثقة العامّة" لدى المجتمع الأردني في تعامله مع مصادر المعلومات والإعلام؛ باعتبار الخطّة هذه مهتمّة جدًا بـ"حماية" المجتمع من أضرار التحولات الإعلامية، وفي الوقت ذاته لكونها أداةً أو مشروعًا لـ"تمكين" المجتمع، أمام فرص هذه التحولات التي تُتاح أمام المجتمع والأسرة والشباب، نحو "بناء القدرات" والتعليم وبناء الأطر التنظيمية والمؤسسية" كصورة من صور الشراكة والتعاون بين وزارات الثقافة، والتربية والتعليم، والتعليم العالي، والشباب، ومكتب وزير الإعلام.
وفي طرح وزير الثقافة لعدد من المفاهيم التي تهمّ موضوع الإعلام والاتصال المعاصر، مثل: محو الأميّة المعلوماتيّة والأميّة الإخباريّة والمواطنة الرقمية أو سلوك المواطن على الوسائل الرقميّة وتعامله مع المحتوى الرقمي الذي يُقدّم،.. نحن أمام تعزيز مهارات المواطنين في الوصول إلى المعلومات من شتّى مصادرها وتعزيز مهارات تقييم ونقد المحتوى الإعلامي ومهارات المشاركة الإيجابيّة و"إنتاج المضمون".
إنّ كون الخطّة أداةً، كما أكّد الطويسي، لمواجهة الإشاعات والتضليل الإعلامي، يزيدها أهميةً في أن تكون أيضًا أداةً لتطوير وسائل اكتساب المعرفة من المجتمع أو لـ"الاندماج" والتفاهم المجتمعي وتأكيد دور الثقافة المجتمعية في مواجهة العنف وخطاب الكراهية، وأداةً أيضًا للتمكين الشبابي كفرص متاحة لتطوير أشكال مختلفة من المحتوى المعلوماتي والإعلامي.
فالخطة، كما يقول الوزير، وفق رؤية تطوير برنامج عمل لتحسين قدرة المجتمع في التعامل مع مصادر المعلومات والأخبار، وأدوات التكنولوجيا الرقمية، هي جهدٌ وطنيٌّ مهم، تنتقل بنا من النظرة السائدة حول التربية الإعلامية كأداة للحماية والدفاع إلى فهمٍ أعمق وأشمل، بوصفها أداة للتمكين والمشاركة والابتكار، وتضع أمامها هدفًا استراتيجيًّا يتمثل في إدماج مفاهيم التربية الإعلامية والمعلوماتية ومهاراتها في النظام التعليمي الأردني، ونشرها في المدارس والجامعات، وتضمينها أنشطة المؤسسات الثقافية والشبابية ومؤسسات المجتمع المدني، ونشر الوعي بها من خلال وسائل الإعلام وفي المجال العام.
كما تتوخّى الخطة أيضًا تحقيق الأهداف الفرعية المتمثلة في استخدام منظور التربية الإعلامية والمعلوماتية، باعتباره أداةً من أدوات إصلاح التعليم وتحسين جودته وبناء الموارد البشرية الوطنية، وتحسين قدرات المجتمع الأردني، وتحديداً الشباب والأسرة، في التعامل مع وسائل الإعلام ومصادر المعلومات، خاصةً وسائل الاتصال الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي.
إنّ اهتمامًا عاليًا أكّدته الخطة في موضوع تمكين الشباب في مواجهتهم أضرار وسائل الإعلام والإعلام الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي، والتي تفرضها الاستخدامات غير المهنية، والمحتوى غير الملائم والضار لوسائل الإعلام، ومصادر المعلومات مثل الأخبار الكاذبة والإشاعات وخطابات الكراهية، والمحتوى الذي يدعو إلى التطرف والعنف. وكذلك تمكين أفراد المجتمع، وتحديداً الشباب، من حرية التعبير والتفكير النقدي والإبداع والريادة، والمساهمة في تحسين قدرات المجتمع الأردني للمزيد من الاندماج الاجتماعي والمشاركة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ودعم جهود العدالة "الجندرية" في المجتمع الأردني، وتحسين قدرات المجتمع في ردم فجوات مشاركة المرأة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، إضافةً إلى تعزيز مفاهيم حقوق الإنسان والحريات لدى الشباب الأردني، وتمكينه من التعبير عن نفسه، والمشاركة الديمقراطية الفاعلة، وتعزيز مفهوم المواطنة الرقمية.
كما أنَّ فترة أربع سنوات (2020-2023)، تبدو، كما يؤكّد الدكتور الطويسي، فترة كافية لتجذير العمل المؤسسي في هذا المجال وجعله جزءاً من عمل المؤسسات، إذ تعتمد منهجية تنفيذ الخطة على الشراكة بين القطاعين العام والمدني، خصوصًا وفق تطوير آلية إدارة التنفيذ على ثلاثة مستويات تشمل: السياسات، وإدارة التنفيذ، والعمليّات، وضمن منهجية تنفّذ على ثلاث مراحل هي: التأسيس والانتشار والاستدامة.
وتتأكّد الخطّة في مجالاتها الأربعة، وهي: مجال النظام التعليمي(المدارس)، ويهدف إلى تحقيق التدريب وبناء القدرات، في الأنشطة التدريبية والوصول إلى نحو 90 % من مدارس وزارة التربية والتعليم في محافظات المملكة، نحو إدماج مفاهيم التربية الإعلامية والمعلوماتية في المناهج الدراسيّة لثلاثة صفوف وكذلك إدماج مفاهيم ومهارات التربية الإعلامية في الأنشطة الطلابيّة، انطلاقًا من أنّ وزارة التربية والتعليم، وضمن الرؤية الإصلاحيّة التي تتبناها، أتاحت مجالًا أوسع للأنشطة الطلابيّة، ولذلك فستكون التربية الإعلامية أيضًا واردة في هذا الجانب، بالإضافة إلى بناء قدرات نحو ثلاثة آلاف معلم على مدى هذه السنوات، ليكونوا هم من يباشر تنفيذ هذه الخطّة في المدارس، فنكون أمام إنشاء أندية طلابيّة وتطوير لأداء الإذاعات المدرسيّة، وذلك ضمن خطّة التربية الإعلاميّة في المدارس.
وكذلك مجال النظام التعليمي(الجامعات)، والذي يهدف، بالتنسيق مع وزارة التعليم العالي، إلى بناء قدرات مجموعة من أعضاء الهيئات التدريسية في الجامعات الأردنية في التربية الإعلامية والمعلوماتية، وإيجاد مساق أو مادّة إجباريّة ضمن العلوم التربويّة للمعلمين في الخطة الدراسية بهذا الجانب، ودراسة إمكانيّة فتح برامج في الدراسات العليا في مجال التربية الإعلامية في إحدى الجامعات الأردنية.
ومجال (المؤسسات الشبابية والثقافية) الهادف إلى التدريب وبناء القدرات لأعضاء مراكز الشباب والشابات التابعة لوزارة الشباب والهيئات الثقافية التابعة لوزارة الثقافة في كافة أنحاء المملكة في مجال التربية الإعلامية والمعلوماتية، بواقع ثلاثين ألف شاب خلال أربع سنوات، في مراكز الشباب المنتشرة في مختلف مراكز المملكة، كما يشمل هذا المجال إنتاج المحتوى المعلوماتي والإعلامي في هذه المراكز لتكون متاحةً للشباب لاستثمارها بشكلٍ إيجابي.
ومجال(المجتمع المدني والمجال العام في المدن)، الذي يهدف إلى إدارة منح فرعية تستهدف مجموعة من مؤسسات المجتمع المدني المهتمة بإطلاق مبادرات جديدة ومبتكرة في مجالات التربية الإعلامية والمعلوماتية بإشراف وزارة الثقافة ومكتب وزير الدولة لشؤون الإعلام. وهذا المجال، كما أكّد الطويسي، هو أداة للمشاركة الحكومية مع المجتمع المدني، إذ ستتعاون اللجنة الحكومية المخوّلة بتنفيذ ههذ الخطة ومن خلال وزارة الثقافة بالتعاون مع عدد من مؤسسات المجتمع المدني المعنيّة بهذا الجانب، ومن بينها معهد الإعلام الأردني الذي يُعدّ بيت خبرة في هذا المجال. والهدف من تقديم المنح لهذه المؤسسات هو أن تقدم مشاريع مبتكرة وجديدة في الوصول إلى المجتمعات وفي مجال التربية الإعلامية، وكذلك تدريب وبناء قدرات هذه المؤسسات وإطلاق منصة حيّة للتدريب وأخرى مسجّلة ومتاحة للاستفادة.
نعم، هي خطّة طموحة وعمليّة قائمة على الشراكة، وتجيء أهميّتها مما نعانيه أمام هذه التحولات التي تحمل ثمارًا طيّبة والكثير الكثير من الأشواك؛ فهنيئًا لوزارة الثقافة ثقة أن تقوم بإعداد ملفّ التحول الرقمي والإعلامي في خطّة واعية وشاملة وتفصيلية لتنفيذ المبادرة الوطنية لنشر التربية الإعلاميّة والمعلوماتيّة.

"عمون"

18/6/2020